الاتفاق الأميركي – الإيراني المحتمل... ما التفاصيل؟ وأين الخلافات؟

يقول دونالد ترمب إن الاتفاق بات قريبا... لكنه يؤكد أيضا أنه ليس مستعجلا لإنجازه

("المجلة")
("المجلة")

الاتفاق الأميركي – الإيراني المحتمل... ما التفاصيل؟ وأين الخلافات؟

إذا بدا لك مسار المحادثات بين أميركا وإيران مربكا، فأنت لست وحدك. فقد دخلت واشنطن عطلة نهاية أسبوع طويلة بمناسبة يوم الذكرى ودبلوماسيوها يعلقون آمالا على اتفاق وشيك. وفي يوم الجمعة، زار مسؤولون من باكستان وقطر، وهما دولتان تشاركان في جهود الوساطة، طهران. وبعد اتصال مع قادة إقليميين يوم السبت، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الاتفاق "جرى التفاوض عليه إلى حد كبير"، وإن الإعلان عن تفاصيله سيكون "قريبا".

لكن الرئيس الأميركي عاد يوم الأحد ليقول إن على ممثليه أن لا "يتعجلوا" إنجاز الاتفاق. ويقول مستشاروه الآن إن الأمر قد يحتاج إلى أسبوع إضافي. ولتعزيز الرسالة، نشر ترمب أيضا صورة لطائرة حربية أميركية تحمل قنبلة كتب عليها: "شكرا لاهتمامكم بهذه المسألة".

دخلت أميركا وإيران شهرهما الثاني تقريبا من وقف لإطلاق النار كان يفترض، في الأصل، أن لا يتجاوز أسبوعين. صحيح أن الطرفين باتا أقرب إلى اتفاق، لكنه ليس اتفاقا ينهي الحرب، كما يوحي ترمب. ففي أفضل الأحوال، سيشتري الاتفاق مزيدا من الوقت لمحادثات لاحقة أشد تعقيدا، وسيكون أقرب إلى ترتيب مؤقت يبقي الباب مفتوحا أمام التفاوض على اتفاق نهائي. ومع ذلك، لا تزال العقبات قائمة حتى أمام التوصل إلى اتفاق محدود، سواء في طهران أو واشنطن.

(رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مسندم في سلطنة عُمان، 18 مايو 2026

ومن المرجح أن يمدد الاتفاق الآخذ في التبلور وقف النار الحالي 60 يوما على الأقل، وأن يرسم خطوطا عامة تقوم على إعادة فتح مضيق هرمز، وفرض قيود على البرنامج النووي الإيراني، وتخفيف العقوبات على طهران. أما تفاصيل التنفيذ، فسيتركها الطرفان لمفاوضات تمتد طوال الصيف. ففي اتفاق تمهيدي، قد توافق إيران مثلا على وقف تخصيب اليورانيوم لسنوات. لكن التفاصيل الأشد حساسية ستبقى بحاجة إلى حسم: من سيتولى التحقق من التزام إيران؟ وما الخطوات التي ينبغي أن تنجزها قبل أن تبدأ أميركا رفع العقوبات؟

مسار المحادثات بين أميركا وإيران المرتبط بوقف الحرب يبدو أنه الأكثر إرباكا لدى السياسيين والمحللين

ولا تزال هناك نقاط خلاف جوهرية، حتى على مستوى المبادئ نفسها. في مقدمتها مطالبة إيران بمكاسب اقتصادية كبيرة فور توقيع الاتفاق. ويقول مسؤولون أميركيون إنهم مستعدون لإصدار إعفاء يتيح لإيران تصدير بعض النفط، لكنهم لا يريدون الذهاب أبعد من ذلك، مثل الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في مصارف أجنبية، قبل تحقيق تقدم ملموس في المحادثات النووية.

ويتعلق خلاف آخر بمخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى مستوى يقترب من درجة الاستخدام العسكري، والذي يتجاوز أربعمئة كيلوغرام. إذ يقول الرئيس الأميركي وحلفاؤه إن إيران وافقت على نقله إلى خارج البلاد. أما طهران، فتؤكد أنها لن تقدم على هذه الخطوة، وإن كانت مستعدة لخفض مستوى التخصيب داخل أراضيها. لذلك يبحث المفاوضون عن صيغة وسط، قد تضع هذه المواد في عهدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي هيئة الرقابة النووية التابعة للأمم المتحدة، لتتولى حيازتها والإشراف على خفض درجة تخصيبها.

تحتاج إيران إلى اتفاق يرفع الحصار الأميركي عن موانئها، بعدما شل هذا الحصار إنتاجها النفطي، وقد يضطرها قريبا إلى إغلاق بعض آبارها قسرا، بما يحمله ذلك من كلفة وأضرار. فقد تجاوزت منشآت التخزين البرية لديها 80 في المئة من طاقتها الاستيعابية. غير أن القادة الإيرانيين يرون أن ترمب هو الأكثر حاجة إلى الاتفاق، ولذلك لا يبدون استعدادا لتقديم تنازلات إضافية.

(أ.ف.ب)
صورة أقمار صناعية تظهر أضرارا في منشآت داخل موقع نطنز النووي وسط إيران بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية، 3 مارس 2026

وتساعد هذه الخلافات على تفسير الانقلاب الظاهري في موقف ترمب. أما معضلته الأخرى فسياسية. ففي ولايته الأولى، تخلى عن خطة العمل الشاملة المشتركة، أي الاتفاق النووي مع إيران الذي تفاوض عليه باراك أوباما ووقعه عام 2015. ومنذ ذلك الحين، أمضى ترمب عقدا من الزمن في مهاجمة ذلك الاتفاق، واصفا إياه بأنه "واحد من أسوأ الاتفاقات التي أبرمت على الإطلاق".

يبحث المفاوضون عن صيغة وسط، لوضع المواد النووية الإيرانية في عهدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لتشرف على خفض درجة تخصيبها

ومع ذلك، لا يبدو الاتفاق الذي يتفاوض عليه ترمب اليوم مختلفا كثيرا عن الاتفاق الذي طالما سخر منه. وعقد مايك بومبيو، الذي شغل منصب وزير الخارجية خلال معظم ولاية ترمب الأولى، مقارنة سلبية بين الاتفاق الجديد وخطة العمل الشاملة المشتركة. حيث كتب على وسائل التواصل الاجتماعي: "لا يمت هذا الاتفاق لمبدأ أميركا أولا بِصلة". ورد ستيفن تشيونغ، مدير الاتصالات في البيت الأبيض، بأن بومبيو "لا يملك أدنى فكرة عما يتحدث عنه".

قد يكون بمقدور ترمب أن يتجاوز شخصيات أفلت نجوميتها السياسية مثل بومبيو. لكن المعارضة في الكونغرس تطرح تحديا أكبر. فبحسب الصيغة النهائية للاتفاق، قد يخضع لمراجعة الكونغرس بموجب قانون صدر عام 2015. وبدأ التململ يتسلل إلى صفوف مشرعين جمهوريين كانوا، حتى وقت قريب، يسايرون ترمب في مواقفه. فهم يخشون أن يدفعوا ثمنا سياسيا في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني، بسبب ارتفاع أسعار البنزين التي تجاوز متوسطها الآن 4.50 دولار للغالون. ولا يقتصر الاستياء على الملف الاقتصادي، بل يمتد إلى قرارات ترمب الأخيرة، من تخصيص صندوق بقيمة 1.8 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب لحلفائه، وصولا إلى دعمه كين باكستون مرشحا لمجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، رغم أن أعضاء من حزبه اتهموه بالرشوة وقدموا مذكرة لعزله.

ووصف روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، الاتفاق الآخذ في التبلور مع إيران بأنه "كارثة" لا "تساوي ثمن الورق الذي كتبت عليه". أما ليندسي غراهام، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري والمقرب من ترمب، فحذر من أن الاتفاق قد يفضي إلى "تحول كبير في ميزان القوى في المنطقة".

(أ.ف.ب)
محاربون قدامى وعائلات عسكريين ومحتجون داخل مبنى "كانون هاوس" في واشنطن للمطالبة بإنهاء الحرب على إيران، 20 أبريل 2026

لكن الانتقادات لا تأتي من جهة واحدة، بل تطال ترمب من كلا المعسكرين. ففي 19 مايو، دفع مجلس الشيوخ قدما بقرار يتعلق بصلاحيات الحرب، بعدما خالف أربعة جمهوريين موقف حزبهم وصوتوا لمصلحة تمريره إلى المرحلة التالية. وكان من المقرر أن يصوت مجلس النواب على إجراء مماثل في 21 مايو/أيار. وحين بدأت فرص تمرير مشروع القانون تتزايد، أوقف رئيس مجلس النواب مايك جونسون سلسلة من التصويتات فجأة، ثم رفع الجلسة معلنا دخول المجلس في عطلة طويلة.

وهكذا يجد ترمب نفسه في مأزق: فالاتفاق قد يشق صفوف كتلته، واستئناف القتال قد يفعل الشيء نفسه.

لا يبدو الاتفاق الذي يتفاوض عليه ترمب عبر باكستان مختلفا كثيرا عن اتفاق أوباما مع إيران الذي طالما سخر منه

ومما يعزز فرص الاتفاق أن حلفاء أميركا العرب يدفعون، بدورهم، نحو هذا المسار. فحتى الإمارات، وهي الأكثر صرامة بينهم، بدأت في الأيام الأخيرة تحث ترمب بهدوء على إنهاء الحرب. ففي الخليج، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة فتح المضيق ووضع حد لأشهر من الأزمة الاقتصادية. وانعكست أحاديث الاتفاق على أسواق النفط، إذ انخفض خام برنت 6 في المئة عند افتتاح الأسواق الآسيوية صباح الاثنين، ليصل إلى 94 دولارا للبرميل. غير أن الاتفاق الأولي، إن حصل، لن يعني بالضرورة انفراجا فوريا.

لنفترض أن إيران وافقت على إعادة فتح المضيق. فلكي يعود النفط والغاز إلى التدفق يجب أولا أن تعود الناقلات إلى المنطقة. وبعضها يحمل حاليا شحنات من الأطلسي، وسيحتاج إلى أشهر لاستكمال عمليات التسليم قبل أن يبحر مجددا نحو الخليج. وبعد ذلك، سيكون على الشركات المنتجة إعادة تشغيل آبار نفط ومحطات تسييل غاز جرى تعليقها مؤقتا، وهي عملية دقيقة قد تستغرق أسابيع. وكل ذلك يحتاج إلى وقت أطول بكثير من ستين يوما. وهنا تبرز معضلة أمام المنتجين وشركات الشحن والتأمين: هل يغامرون بالرهان على عودة الأوضاع إلى طبيعتها في الخليج، من دون أي ضمان بأن تتوصل أميركا وإيران إلى اتفاق نهائي، أو حتى بأن يمدد وقف إطلاق النار مرة أخرى؟

(رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل إلى أكاديمية خفر السواحل الأميركي لإلقاء كلمة التخرج في كونيتيكت، 20 مايو 2026

يعتقد بعض الدبلوماسيين والمحللين في واشنطن أن ترمب لن يرغب في استئناف الحرب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. غير أن آخرين يرون أنه تجاوز حسابات الانتخابات أصلا، ويخشون أن تنتهي محادثات الصيف بجولة قتال جديدة في الخريف. وفي كل الأحوال، حتى إذا توصلت أميركا وإيران إلى اتفاق خلال الأيام المقبلة، فمن المرجح أن يظل عدم اليقين قائما لأشهر.

font change