الاتفاق الأميركي - الإيراني... بداية السلام أم استراحة محارب؟

قد يعود الطرفان إلى القتال أملاً في التوصل إلى اتفاق أفضل

(رويترز)
(رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز كما تُرى من محافظة مسندم العُمانية، 15 يونيو 2026

الاتفاق الأميركي - الإيراني... بداية السلام أم استراحة محارب؟

في نحو أربعين مناسبة منذ مارس/آذار الماضي، أعلن دونالد ترمب أنه بات قريبا من التوصل إلى اتفاق مع إيران. وهذه المرة، كان محقا أخيرا. فخلال ليل الأحد، أعلنت كل من الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق تقولان إنه سيضع حدا للحرب المستمرة بينهما منذ نحو أربعة أشهر، ويعيد فتح مضيق هرمز. وسيمنح ذلك متنفسا تحتاج إليه منطقة أنهكتها الحرب، كما سيخفف الضغوط عن أسواق الطاقة العالمية. لكنه لن يحل القضايا التي قادت الولايات المتحدة وإيران إلى الحرب أساسا.

الاتفاق، الذي يصفه الأميركيون بأنه "مذكرة تفاهم"، من المقرر توقيعه في جنيف يوم الجمعة. وحتى ذلك الحين، من المرجح أن يبقى نصه سريا. وسيقضي الطرفان الأسبوع في محاولة تقديمه بصورة إيجابية، لكن ينبغي التعامل بحذر مع ادعاءاتهما، إذ إن بعضها قد يكون بعيدا عن الواقع.

ومع ذلك، جرى خلال الأسابيع الماضية تسريب كثير من تفاصيل مذكرة التفاهم، ويقول دبلوماسي مطلع على النص إن تلك التقارير دقيقة إلى حد كبير. وسيبدأ الاتفاق برفع الولايات المتحدة وإيران الحصار المفروض على مضيق هرمز، على أن يعاد فتحه خلال 30 يوما. وما بعد ذلك ليس سوى اتفاق لمواصلة التفاوض على اتفاق آخر، إذ سيبدأ الطرفان 60 يوما من المحادثات حول اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وسيكون الملف الأكثر إلحاحا بالنسبة إلى الولايات المتحدة هو كيفية التخلص من مخزون إيران الذي يزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى مستويات قريبة من درجة تصنيع السلاح النووي (إضافة إلى نحو 9 آلاف كيلوغرام من اليورانيوم الأقل تخصيبا). ولأشهر طويلة، طالب ترمب إيران بتسليم هذا المخزون إلى الولايات المتحدة. لكن طهران رفضت، وعرضت بدلا من ذلك تخفيض مستوى التخصيب. ويبدو أن الأميركيين تراجعوا عن مطلبهم. ومن المقرر أن تشارك الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التابعة للأمم المتحدة، في المحادثات، وتقدم المشورة بشأن أفضل السبل للتعامل مع المخزون، فيما يبقى تصدير اليورانيوم إلى دولة ثالثة أحد الخيارات المطروحة.

(رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز كما ترى من محافظة مسندم العُمانية، 15 يونيو 2026

وستمنح الولايات المتحدة إيران بعض التخفيف المؤقت للعقوبات عند توقيع مذكرة التفاهم. ويمكن أن يشمل ذلك إعفاء يسمح لها بتصدير النفط، والإفراج عما يصل إلى 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة (على مراحل، ومع فرض قيود على كيفية إنفاق هذه الأموال).

الحصيلة أسوأ بالنسبة إلى إسرائيل، فهي أصرت طويلا على أن أي اتفاق يجب أن يتناول البرنامج النووي وترسانة الصواريخ، ودعم الميليشيات الإقليمية

كما يُفترض أن تضع مذكرة التفاهم حداً للحرب الإسرائيلية ضد "حزب الله" في لبنان. غير أن الصياغة، بحسب ما تردد، لا تزال غامضة، إذ ليس واضحا ما إذا كان الاتفاق سيلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان.

وكانت باكستان رعت وقف نار أوليا بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في أبريل/نيسان الماضي، وصمد إلى حد كبير رغم الانتهاكات المتكررة من جميع الأطراف. لكنها لعبت دورا أقل في التوسط للتوصل إلى مذكرة التفاهم. في المقابل، تنقل دبلوماسيون قطريون بين الدوحة وطهران خلال الأسابيع الأخيرة، وعملوا عن كثب مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي قاد المفاوضات في واشنطن.

وأدى الإعلان عن الاتفاق إلى تراجع أسعار النفط بأكثر من 5 في المئة في تعاملات صباح الاثنين. وبلغ سعر خام برنت 83 دولارا للبرميل، وهو أدنى مستوى له منذ الأسبوع الأول من مارس، رغم أنه لا يزال أعلى بنحو 20 دولارا من مستوياته قبل الحرب.

وهناك فائض كبير من النفط ينتظر الخروج من الخليج بمجرد إعادة فتح هرمز. ووفقاً لشركة "كيبلر" المتخصصة في البيانات، ظلت نحو 60 ناقلة محملة بالنفط الخام عالقة لأشهر. كما أن المنتجين الخليجيين يملكون كميات ضخمة من النفط المخزن، بعد أن امتلأت خزاناتهم خلال الحرب.

ومع ذلك، فمن المرجح أن يستغرق الأمر أشهرا قبل أن يعود المضيق إلى مستويات الحركة التي كان يشهدها قبل الحرب، خاصة إذا تعثرت المفاوضات حول الاتفاق النهائي، وهو احتمال وارد جدا. فالتوصل إلى اتفاق شامل خلال 60 يوما ليس مهمة سهلة.

واليورانيوم عالي التخصيب ليس سوى القضية الأولى. فالولايات المتحدة ستسعى إلى فرض قيود أخرى على البرنامج النووي الإيراني، بينما ستطالب إيران برفع أوسع للعقوبات في المقابل. ويمكن أن يتحول ما يفترض أنه اتفاق مؤقت إلى ترتيب طويل الأمد.

(رويترز)
أشخاص يمرون أمام جدارية للإمام الخميني والزعيم الإيراني السابق علي خامنئي في طهران، 14 يونيو 2026

وإذا كانت هذه هي بالفعل نهاية الحرب، فإنها نهاية بلا منتصر واضح. فعندما بدأت القنابل تتساقط، قال ترمب للشعب الإيراني إن "ساعة الحرية حانت". أما اليوم، فهو يبرم اتفاقا مع النظام الذي سعى إلى إسقاطه. ومن المرجح أن يثير أي اتفاق من هذا النوع جدلا واسعا في واشنطن. فقد أعلن السيناتور الجمهوري المتشدد ليندسي غراهام بالفعل ضرورة إخضاعه لمراجعة الكونغرس. كما يبدو حريصا على تحميل جي دي فانس، الذي وصفه بأنه "مهندس" مذكرة التفاهم، مسؤولية أي اتفاق سيئ.

وتبدو الحصيلة أسوأ بالنسبة إلى إسرائيل، التي أصرت طويلا على أن أي اتفاق يجب أن يتناول ليس فقط البرنامج النووي الإيراني، بل أيضا ترسانة الصواريخ الإيرانية ودعم طهران للميليشيات الإقليمية. ولا يبدو أن أيا من هذين الملفين سيكون جزءا من الاتفاق النهائي.

مذكرة التفاهم تترك النزاع النووي من دون حل، كما أن التخفيف المحدود للعقوبات لن يكون كافياً لإخراج إيران من أزمتها الاقتصادية العميقة

فعلى الرغم من تعرض البرنامج الصاروخي الإيراني لأضرار، فإن إيران واصلت إطلاق الصواريخ على إسرائيل، كما أن دعمها لـ"حزب الله" لا يزال قائما. وإلى جانب ذلك، ألحقت إسرائيل ضررا بعلاقاتها مع أقرب حلفائها. فالديمقراطيون اليساريون والجمهوريون الانعزاليون يحملونها مسؤولية جر الولايات المتحدة إلى الحرب. وخلال الأسابيع الأخيرة، بدا ترمب نفسه غاضبا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ولا شك أن النظام الإيراني سيعلن النصر، بعدما نجح في الصمود خلال الحرب وواجه خصمين متفوقين وانتهى إلى حال من التعادل. ويعتقد الجيل الجديد من القادة الإيرانيين أن نهجهم الأكثر تشددا منحهم الأفضلية في مواجهة ترمب.

لكن من المرجح أن يشعر الإيرانيون البالغ عددهم 92 مليون نسمة بالإرهاق أكثر من شعورهم بالانتصار. فقد خاضوا حربين خلال أقل من عام، فيما يعاني الاقتصاد من انهيار حاد، مع تضخم غذائي من ثلاث خانات، وتقديرات رسمية تشير إلى أن أكثر من مليون شخص فقدوا وظائفهم بسبب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت الصناعة الإيرانية.

(رويترز)
دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في فلوريدا، 29 ديسمبر 2025

وما لم يؤد الاتفاق النهائي إلى ضمان عدم تجدد الصراع وتحقيق تحسن اقتصادي حقيقي، فإن إيران ستكون قد حققت نصرا مكلفا أقرب إلى الهزيمة.

وساعد حدثان على دفع الولايات المتحدة وإيران إلى هذه النقطة: فشل جولتين سابقتين من المفاوضات النووية، في فبراير/شباط ومطلع عام 2025، إضافة إلى الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران خلال الشتاء الماضي بسبب التضخم المرتفع وانهيار العملة، والتي استخدمها ترمب ذريعة لشن الهجوم.

من المرجح أن يشعر الإيرانيون البالغ عددهم 92 مليون نسمة بالإرهاق أكثر من شعورهم بالانتصار

غير أن مذكرة التفاهم لا تعالج أياً من هاتين القضيتين. فهي تترك النزاع النووي من دون حل، كما أن التخفيف المحدود للعقوبات لن يكون كافيا لإخراج إيران من أزمتها الاقتصادية العميقة.

(أ.ف.ب)
صورة مقتطعة من تسجيل بثه التلفزيون الإيراني الرسمي لما قال إنها موجة صاروخية استهدفت إسرائيل وقواعد أميركية في الخليج، 26 مارس 2026

لذلك يبقى الخطر قائما في أن يكون هذا الاتفاق المحدود ليس نهاية الحرب، بل مجرد استراحة فيها. فالولايات المتحدة لا تستطيع القبول ببقاء البرنامج النووي الإيراني على حاله، والنظام الإيراني لا يستطيع معالجة أزماته الداخلية بينما يظل اقتصاده معزولا.

وإذا فشل الطرفان في التوصل إلى اتفاق شامل خلال الأشهر المقبلة، فقد يجدان نفسيهما أمام إغراء استئناف القتال أملاً في انتزاع اتفاق أفضل.

font change