نادي ترمب الجديد للمعادن الحيوية

الإدارة الأميركية تسعى إلى تشكيل تكتل تجاري مع دول دأبت على توجيه الانتقاد إليها

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض يتحدث للصحافيين عن مخزون استراتيجي للمعادن بقيمة تمويل أولي تبلغ 12 مليار دولار، واشنطن، فبراير 2026

نادي ترمب الجديد للمعادن الحيوية

يدور الحديث في واشنطن هذه الأيام عن ناد جديد تتصدر فيه المعادن الحيوية جدول الاهتمامات. وتوافد مسؤولون من أكثر من خمسين دولة إلى العاصمة الأميركية هذا الأسبوع للمشاركة في الاجتماع الوزاري الأول للمعادن الحيوية الذي أطلقته إدارة الرئيس دونالد ترمب، في خطوة تعد من أبرز محاولاته لإعادة تشكيل سلاسل توريد مستقلة عن الصين.

وفي كلمته الافتتاحية الأربعاء أمام عشرات المسؤولين من مختلف أنحاء العالم، طرح نائب الرئيس جيه دي فانس فكرة إنشاء "منطقة تجارة تفضيلية" عالمية للمعادن، تقوم على استخدام الرسوم الجمركية لتحديد حدود دنيا للأسعار، بما يقي سلاسل التوريد من تقلبات حادة واضطرابات مفاجئة في الأسواق، ويمنح الأعضاء حق الوصول إلى المعادن الحيوية والتمويل.

وقال فانس: "نريد معا أن يشكل الأعضاء تكتلا تجاريا من الحلفاء والشركاء، يضمن للولايات المتحدة الوصول إلى قدراتها الصناعية، ويعمل في الوقت نفسه على توسيع الإنتاج عبر المنطقة بأكملها".

(أ.ف.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال الاجتماع الوزاري الأول للمعادن الاستراتيجية في واشنطن، بحضور نحو 50 دولة لبحث شراكات سلاسل التوريد التقنية بعيدا عن الصين، فبراير 2026

وأضاف لاحقا: "الفرصة المطروحة أمامنا هي تحقيق الاكتفاء الذاتي، بحيث لا نضطر إلى الاعتماد على أحد خارج دائرتنا المشتركة فيما يتعلق بالمعادن الحيوية اللازمة لاستدامة صناعاتنا ودعم النمو".

إنشاء منطقة تجارة تفضيلية عالمية للمعادن، بما يقي سلاسل التوريد من تقلبات حادة واضطرابات مفاجئة في الأسواق

جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي

وتعد هذه المبادرة من أكثر تحركات إدارة ترمب اندفاعا لتأمين سلاسل توريد جديدة لما يقارب ستين مادة خاما تصنفها الوكالات الأميركية ضمن العناصر الأساسية للأمن الاقتصادي والأمن القومي، إذ تشكل هذه المعادن قاعدة لتقنيات تعد من الأقوى عالميا، من أنظمة الأسلحة المتقدمة إلى تقنيات الطاقة النظيفة.

وتكمن المعضلة الأميركية في هيمنة الصين على قطاعات واسعة من سلاسل التوريد العالمية لهذه المواد، واحتفاظها بقبضة قوية على عناصر الأرض النادرة على وجه الخصوص، وهو نفوذ استخدمته بكين ورقة ضغط في مفاوضاتها التجارية مع إدارة ترمب.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تفكر فيها واشنطن في شراكات معدنية، إذ سعت إدارة جو بايدن بدورها إلى تنويع الشركاء لتعزيز أمن سلاسل التوريد، ودرست إنشاء نادٍ للمعادن مع الحلفاء، كما تعاونت مع ثلاث عشرة دولة والاتحاد الأوروبي لتأسيس "شراكة أمن المعادن" بهدف تحفيز الاستثمار في سلاسل توريد جديدة.

(أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال الاجتماع الوزاري الافتتاحي للمعادن الاستراتيجية في وزارة الخارجية بواشنطن، فبراير 2026

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، لم يُخف ترمب طموحاته العالمية في هذا المجال. ففي مطلع 2025، برزت المعادن عاملا موجها لأجندته المتقلبة في أوكرانيا وكندا وغرينلاند، ما دفع عددا من الدول إلى التقرب منه عبر صفقات تبرز قدراتها المعدنية. كذلك ربطت إدارته السباق على المعادن بطموحاتها في الذكاء الاصطناعي، إذ نظمت الخارجية الأميركية أخيرا قمة "باكس سيليكا" الأولى بمشاركة عدد من الدول، في إشارة إلى التداخل المتزايد بين الموارد الطبيعية والتفوق التكنولوجي.

60 معدنا تشكل قاعدة لتقنيات تعد من الأقوى عالميا، من أنظمة الأسلحة المتقدمة إلى تقنيات الطاقة النظيفة

ويكثف ترمب حملته العالمية في هذا المجال، إلى حد الربط الصريح، عبر أمر تنفيذي صدر أخيرا، بين أمن المعادن في الولايات المتحدة والتعاون الدولي.

وأعلن مسؤولون أميركيون، الأربعاء، التوصل إلى اتفاقات مع المكسيك واليابان والاتحاد الأوروبي لتطوير سياسات منسقة تسد الثغرات في أمن المعادن لدى هذه الدول. وفي اليوم التالي، كشف مسؤولون بريطانيون توقيع مذكرة تفاهم مع واشنطن بشأن المعادن الحيوية، بما يعزز مواءمة جهود سلاسل التوريد ويحفز الاستثمار في هذا القطاع.

وقال وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم، أمام جمع من ممثلي الصناعة والحكومة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، الثلاثاء، إن الإدارة تعتزم الإعلان عما يصل إلى أحد عشر اتفاقا ثنائيا من هذا النوع خلال الأسبوع الجاري.

(أسوشييتد برس)

وبرزت المعادن مجالا نادرا للتعاون بين الولايات المتحدة وعدد من الدول التي ما زالت تعيش تداعيات الحرب التجارية الحادة التي تخوضها إدارة ترمب. إذ تشوب العلاقات الأميركية مع بعض الدول التي بعثت وفودا إلى الاجتماع الوزاري، ومنها كندا وقوى أوروبية، توترات في ملفات أخرى، على نحو يجعل المعادن من المجالات القليلة التي ما زال التعاون قائما فيها.

العمل لتطوير سياسات منسقة تسد الثغرات في أمن المعادن لدى المكسيك واليابان والاتحاد الأوروبي

وانطلق الاجتماع الوزاري بعد أيام قليلة من إعلان ترمب مشروعا بقيمة 12 مليار دولار لإنشاء مخزون استراتيجي من المعادن الحيوية، يهدف إلى حماية المصنعين الأميركيين من اضطرابات السوق والصدمات في سلاسل التوريد. ويحمل المشروع اسم "مشروع فولت" (Project Vault)، ويمول عبر قرض مباشر بقيمة 10 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد الأميركي، إلى جانب نحو 1.67 مليار دولار من تمويل خاص.

وقال ترمب في المكتب البيضاوي، عند الإعلان عن المبادرة، إن الشركات الأميركية ظلت لسنوات عرضة لخطر نفاد المعادن الحيوية خلال فترات الاضطراب في الأسواق، مؤكدا أن المشروع سيكفل عدم تضرر الشركات والعمال الأميركيين من أي نقص.

وتأتي هذه التحركات في وقت يتبنى فيه الرئيس الأميركي نهج رأسمالية الدولة، إذ شرعت الحكومة في الاستحواذ على حصص ملكية في عدد من الشركات الخاصة العاملة في قطاع المعادن. وترى هذه الشركات أن دعم إدارة ترمب يشكل شرطا أساسيا للمنافسة في السوق العالمية في ظل الهيمنة الصينية.

(أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال الاجتماع الوزاري الافتتاحي للمعادن الاستراتيجية في وزارة الخارجية بواشنطن، فبراير 2026

وقال بيني ألتهاوس، الشريك الإداري في شركة "كوف كابيتال" الاستثمارية في مجال التعدين ومؤسس "يو إس إيه رير إيرث" (USA Rare Earth) إن "الصينيين يدعمون، منذ أكثر من ثلاثين عاما، سلاسل التوريد الخاصة بهم من المنجم إلى المغناطيس ومن المنجم إلى البطارية، والطريق الوحيد الذي يتيح لنا المنافسة يتمثل في شراكة بين القطاعين العام والخاص". وأبرمت بالفعل كل من "كوف كابيتال" و"يو إس إيه رير إيرث" اتفاقات في هذا المجال مع إدارة ترمب.

12 مليار دولار لإنشاء مخزون استراتيجي من المعادن الحيوية، لحماية المصنعين الأميركيين من اضطرابات السوق والصدمات في سلاسل التوريد

ومع ذلك، لا توجد حلول سريعة، ولا تزال تفاصيل كثيرة عن أحدث مساعي ترمب غير واضحة. ويؤكد محللو القطاع أن إنشاء سلاسل توريد جديدة يحتاج إلى سنوات طويلة، وربما إلى عقود، إذ يبلغ متوسط المدة العالمية لتطوير منجم جديد نحو 15 عاما.

وقال كريس بيري، مؤسس ورئيس شركة "هاوس ماونتن بارتنرز" (House Mountain Partners) المتخصصة في تحليل أسواق المعادن، إن الصين احتاجت جيلا كاملا لتصل إلى المرحلة التي تهيمن فيها فعليا على معظم المواد الحيوية، إن لم يكن كلها، عبر مختلف حلقات سلاسل التوريد.

وأضاف: "لن نتمكن من حل هذا الملف خلال ولاية ترمب، لكننا نسير في الاتجاه الصحيح".

font change

مقالات ذات صلة