لا داعي للخوف من اقتصاد الصين

لا تستطيع بكين بسهولة تحمل كلفة تصعيد أي صراع اقتصادي مع واشنطن

("المجلة")
("المجلة")

لا داعي للخوف من اقتصاد الصين

تبدو الولايات المتحدة في موقف ضعيف في المفاوضات التجارية مع الصين. فبعد توليها السلطة، تحدت إدارة ترمب بكين مباشرة، وفرضت، لفترة وجيزة، رسوما جمركية بنسبة 145 في المئة في أبريل/نيسان 2025، ورفعت معدل الرسوم الفعلي على الصين إلى أكثر من الضعف ليصل إلى نحو 40 في المئة خلال معظم العام الماضي. قامت نظرية واشنطن على أن حرمان الصين من المستهلك الأميركي سيجبر بكين على تقديم تنازلات بشأن النفاد إلى الأسواق وخفض العجز التجاري الثنائي. وفي مرحلة ما، تباهى وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن الصين "لا تملك في يدها سوى أوراق تفاوضية ضعيفة"، نظرا إلى اعتمادها على الصادرات إلى الولايات المتحدة، التي بلغت نحو 500 مليار دولار في عام 2024.

لكن بكين، خلافا لمعظم ضحايا حرب الرئيس دونالد ترمب التجارية قليلي الحيلة، ردت بقوة. فقد رفعت حواجز جمركية مماثلة، واستغلت هيمنة الصين الساحقة على إنتاج العناصر الأرضية النادرة لخنق إمدادات هذه المدخلات الصناعية الحيوية، مهددة الإنتاج الأميركي في كل شيء، من السيارات إلى الطائرات والأسلحة. وبعد ذلك، استسلمت الولايات المتحدة فعليا، وتراجعت عن أشد تهديداتها الجمركية. وهذا الأسبوع، دخلت واشنطن متعثرة إلى محادثات تجارية مع بكين في 14 مايو/أيار، ساعية إلى تمديد تخفيف قيود الصين على تصدير العناصر الأرضية النادرة، وإلى الحصول على تعهدات معلنة بشراء مزيد من السلع الزراعية والطاقة الأميركية.

وفي المقابل، قد تضطر الإدارة إلى تقديم تنازلات تشمل تفكيك بعض ضوابط التصدير المفروضة على التكنولوجيا المتقدمة، أو حتى تخفيف الدعم الأميركي لتايوان. وربما يعترف أعضاء في الإدارة الأميركية، سرا وربما همسا، بأن الصين تتمتع في الوقت الراهن بتفوق تصعيدي اقتصادي.

(أ.ف.ب)
حاويات الشحن في ميناء تشينغداو شرق الصين، 09 مايو 2026

إذا كانت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين هي القصة الجيواقتصادية الأهم في القرن الحادي والعشرين، فإن هذه الحلقة لا تبشر بخير لواشنطن. وكما يجادل الاقتصادي نيل شيرينغ بحدة في كتابه "العصر المتصدع"، ينقسم الاقتصاد العالمي حتما، وإن بصورة تدريجية وغير متكافئة، إلى كتلتين: إحداهما تتمحور حول الولايات المتحدة، والأخرى حول الصين. ويمكن رؤية بدايات هذا التصدع في أنماط التجارة العالمية والاستثمار الأجنبي المباشر، التي باتت، كما أشار صندوق النقد الدولي، تتدفق على نحو متزايد بين الجبهتين. وفي هذه البيئة الأكثر تنافسية، ستصبح الحرب الاقتصادية جبهة قتال مركزية بين الكتلتين، إذ يسعى كل طرف إلى امتلاك أوراق ضغط على الآخر من أجل تحقيق مصالحه السياسية والتصدي للإكراه.

ربما يعترف أعضاء في الإدارة الأميركية، سرا أو همسا، بأن الصين تتمتع في الوقت الراهن بتفوق تصعيدي اقتصادي

هل تمتلك الصين اليد العليا في هذا العالم الجديد المتصدع؟ قد يوحي صدام العام الماضي بأن الإجابة نعم، لكن الأرقام تقول شيئا مختلفا. ففي تحليلهما اللافت "السيطرة على التجارة"، يجادل المسؤول السابق في الخزانة الأميركية بن إيه. فاغل، وأستاذ جامعة دارتموث ستيفن جي. بروكس، بأن الولايات المتحدة تمسك بالأوراق الأقوى. تتمركز أهم الشركات في العالم وأكثرها ربحية وتطورا في معظمها في الولايات المتحدة والكتلة الغربية، وتعتمد آلة التصدير الصينية نفسها على استثمارات تلك الشركات. وفي حال حدوث انفصال مفاجئ وشامل بين الصين والغرب، سيلحق الأثر قصير الأمد بالاقتصاد الصيني ضررا يتراوح بين خمسة أضعاف وأحد عشر ضعفا مقارنة بالضرر الذي سيلحق بالولايات المتحدة، وفقا لبحثهما، وستواجه الصين آثارا اقتصادية أشد وطويلة الأمد.

إذن، لماذا تخشى الولايات المتحدة الصين؟ يعود جزء من السبب إلى أن الصين وجدت السلاح غير المتماثل المثالي في قيود العناصر الأرضية النادرة، وهي قيود تكلف اقتصادها القليل بينما تلحق ضررا كبيرا بالصناعة الأميركية. أما أقوى الأسلحة الاقتصادية لدى واشنطن، مثل العقوبات المالية، فستفرض كلفة ملموسة على الشركات والمستهلكين الأميركيين، حتى وإن ألحقت ببكين ضررا غير متناسب.

وثمة سبب آخر، هو أن الولايات المتحدة قد تمتلك بطبيعتها عتبة ألم أدنى من الصين، أو تفتقر إلى الثقة بسبب تاريخ طويل من القلق، الذي كان في معظمه في غير محله، بشأن التراجع الاقتصادي.

لكن السبب الكبير يتمثل في الطريقة التي خاضت بها هذه الإدارة حربها الاقتصادية مع الصين: برسوم جمركية أحادية الجانب، وهي أداة غير فعالة خصوصا، ومع تنفير الحلفاء في أثناء ذلك بدلا من تقديم جبهة موحدة. تملك الولايات المتحدة ما يكفي وزيادة من النفوذ للتصدي للإكراه الاقتصادي ومنع بكين من امتلاك حق نقض على السياسة الأميركية، لكن المهمة ستكون أسهل بكثير إذا أبقت العالم الغربي إلى جانبها.

(رويترز)
رجل يتفقد عينات من العناصر الأرضية النادرة في معرض للإنجازات الصناعية الصينية ببكين، 24 مارس 2026

أصبح القول إن عصر العولمة المفرطة انتهى من الكليشيهات. فمنذ الركود الكبير، ظلت التجارة راكدة إلى حد كبير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بعدما قفزت الصادرات من 20 في المئة إلى 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بين عامي 1989 و2010. وانخفضت التدفقات الرأسمالية العالمية الإجمالية من ذروة بلغت 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2007 إلى نحو 5 في المئة اليوم. أما المؤسسات المتعددة الأطراف، مثل منظمة التجارة العالمية، التي أنشئت للمساعدة في وضع قواعد اللعبة وتيسير التجارة العالمية المفتوحة، فهي في حالة احتضار.

وعند السؤال عما يقف وراء "تباطؤ العولمة" هذا، سيقدم المعلقون حزمة من الأسباب، من بينها تزايد الصراع العالمي، وتصاعد النزعات الشعبوية، وعدم المساواة، وصدمة ولاية ترمب الثانية.

أقوى الأسلحة الاقتصادية لدى واشنطن، مثل العقوبات المالية، ستفرض كلفة ملموسة على الشركات والمستهلكين الأميركيين

لكن شيرينغ يشير بدقة إلى المصدر الأقوى: التوترات الأميركية الصينية التي تفكك عقودا من التكامل العالمي. يكتب: "لذلك، انتهى عصر العولمة المفرطة الذي عرّف الاقتصاد العالمي في أوائل القرن الحادي والعشرين"، مضيفا أن ذلك يعود "جزئيا إلى فشله في تحقيق توقعات غير واقعية... وجزئيا إلى أنه أصبح كبش فداء ملائما لجيل جديد من السياسيين الشعبويين. لكنه يعود أساسا إلى بروز الصين بوصفها منافسا استراتيجيا للولايات المتحدة".

كيف ستعيد هذه المنافسة تشكيل الاقتصاد العالمي في المستقبل؟ يجادل شيرينغ بأن العالم سيتصدع تدريجيا وبصورة أكثر رسوخا إلى كتلة تقودها الولايات المتحدة وأخرى تقودها الصين، وأن الكتلة الأميركية ستضم أوروبا واليابان والهند والمكسيك ودولا أخرى تميل إلى الغرب. لكنه يرى أن الانفصال بين الكتلتين سيقتصر على الصناعات الاستراتيجية، واضعا نحو 15 في المئة من التجارة العالمية في دائرة الخطر، وهو مقدار محدود نسبيا من التصدع قياسا إلى العنوان الواسع الذي اختاره شيرينغ.

في عهد إدارة جو بايدن، حين كان الكتاب على الأرجح قيد التأليف، بدا هذا المسار هو الأكثر ترجيحا. كانت الولايات المتحدة تنجح في دفع أوروبا المترددة تدريجيا نحو الانضمام إلى قيودها المتعلقة بالصين. وكانت الهند تصطف على نحو أوثق مع الولايات المتحدة. وجادل مستشار الأمن القومي للرئيس بايدن، جيك سوليفان، بأن القيود الأميركية على الصين ينبغي أن تشكل "فناء صغيرا وسياجا عاليا".

(رويترز)
صورة لمركبات كهربائية مخصصة للتصدير وحاويات شحن في ميناء شنغهاي، 13 أبريل 2025

لكن للتاريخ طريقة غريبة في قلب الافتراضات رأسا على عقب. هدمت إدارة ترمب سياج سوليفان، عبر رفع الرسوم الجمركية على الصين على كل شيء، من الألعاب إلى الإلكترونيات، ما أدى إلى انخفاض الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة 20 في المئة في عام 2025، وجعل الانفصال الأوسع يبدو مرجحا على نحو متزايد. أما التحالف الاقتصادي مع أوروبا، فأصبح الآن موضع تساؤل بعد حرب تجارية مؤلمة عبر الأطلسي، وخلافات بشأن غرينلاند وإيران، بينما تسعى بروكسل إلى مزيد من "الاستقلالية الاستراتيجية" وتقليص اعتمادها التكنولوجي على الولايات المتحدة.

وقد يؤدي عامان ونصف عام آخران من حكم ترمب، وربما إدارة جمهورية أخرى متحالفة معه في عام 2029، إلى شرخ أعمق وأكثر ديمومة بين الولايات المتحدة وأوروبا، حتى وإن ظلت العلاقة الاقتصادية عبر الأطلسي هي الأهم للطرفين.

انتهى عصر العولمة المفرطة الذي عرّف الاقتصاد العالمي في أوائل القرن الحادي والعشرين

نيل شيرينغ، كاتب

وسيكون ذلك مؤسفا. ففي أحد أكثر المقارنات إيضاحا في كتابه، يجمع شيرينغ الوزن الكامل لكتلة تقودها الولايات المتحدة وتضم أوروبا وبقية العالم الغربي، ويضعه في مواجهة وزن كتلة الصين. والنتيجة اكتساح واضح. فالناتج المحلي الإجمالي للكتلة الأميركية يزيد على ضعف ونصف ضعف الناتج المحلي الإجمالي للكتلة الصينية، وتمثل الصين وحدها ثلثي الناتج الاقتصادي الكامل لفريقها.

وربما لا يقل أهمية عن ذلك أن الكتلة الأميركية تضم تنوعا اقتصاديا أكبر بكثير، من مصدري السلع الأساسية ومستورديها، ومن الدول النامية والمتقدمة، وهو ما يوفر مصدرا إضافيا للقوة. ويتيح هذا التنوع للولايات المتحدة إنشاء منظومة اقتصادية موازية، في حين تظل الكتلة الصينية معتمدة إلى حد ساحق على بكين، وعلى صادرات السلع الأساسية والمصنوعات إلى الغرب. وكما يجادل شيرينغ، فإن رصيد الصين من الأصول الخارجية، البالغ 10 تريليونات دولار والمتنامي، يعني أنها ستظل عرضة للعقوبات المالية الأميركية، مهما حاولت جاهدة تنويع اعتمادها بعيدا عن الدولار.

ويطور فاغل وبروكس هذه الرؤية القوية أكثر في "السيطرة على التجارة". إذ يجادلان بأن التحليل الاقتصادي التقليدي يبالغ كثيرا في تقدير قدرات الصين ونفوذها في صراعها مع الولايات المتحدة على التفوق الاقتصادي.

(رويترز)
عامل يجمع أجزاء ألعاب داخل مصنع في مقاطعة غوانغدونغ الصينية، 09 مايو 2025

ولبناء حجتهما، يوجهان أولاً نقدا إلى طريقة احتساب الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للصين. فمن المعروف جيدا أن أرقام الناتج المحلي الإجمالي التي تعلنها الصين مضخمة، إذ تحقق أهدافها الرسمية بدقة أشبه بدقة القناص كل عام، ومع ذلك لا تزال معظم التحليلات الاقتصادية الدولية تستخدمها كما لو كانت حقائق منزلة. وقد استخدمت "روديوم غروب"، وهي شركة أبحاث اقتصادية ممتازة، تحليلا تصاعديا للبيانات التجارية والرسمية لتقدير أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للصين في عام 2025 تراوح بين 2.5 في المئة و3 في المئة، مقارنة بالنسبة المعلنة البالغة 5.2 في المئة.

الناتج المحلي الإجمالي للكتلة الأميركية يزيد على ضعف ونصف ضعف الناتج المحلي الإجمالي للكتلة الصينية

ويشير بروكس وفاغل إلى صور الأقمار الصناعية للسطوع الليلي، التي ثبت أنها ترتبط بدقة بالناتج الاقتصادي، ليجادلا بأن الناتج المحلي الإجمالي للصين مبالغ فيه بما يقارب الثلث. وهذا يضعه عند 52 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في عام 2022، باستخدام أسعار الصرف الاسمية التي لا تعادل القوة الشرائية، بدلا من 72 في المئة المحتسبة باستخدام الإحصاءات الرسمية. ولوضع ذلك في السياق، فإن هذه النسبة أدنى من ذروة الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد السوفياتي، التي بلغت 58 في المئة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في عام 1975. وهذا يضعف كثيرا الادعاءات القائلة إن الصين تترك الولايات المتحدة خلفها بعيدا.

لكن تحليلهما المقنع يذهب خطوات أبعد بكثير. إذ يحسب المؤلفان أن حصة الأرباح العالمية في كل قطاع تقريبا تهيمن عليها الشركات الغربية. ورغم أن السياسة الصناعية الصينية تشجع منافسة شرسة تخفض هوامش الربح بنيويا، فإن النتائج تظل لافتة. ويجد بروكس وفاغل أن الشركات الأميركية وشركات الدول الحليفة تولد 38 في المئة و35 في المئة من الأرباح العالمية، على التوالي، مقارنة بحصة مجمعة للصين وهونغ كونغ تبلغ 16 في المئة. وفي صناعات التكنولوجيا المتقدمة، يصبح هذا الرقم أكثر اختلالا: تبلغ الحصة 55 في المئة للولايات المتحدة، و83.8 في المئة عند جمعها مع الحلفاء، بينما تبلغ حصة الصين 6.1 في المئة. وينطبق الأمر نفسه على القيمة المضافة في التكنولوجيا المتقدمة. ففي حين تمثل الصين 29 في المئة من إجمالي القيمة المضافة الصناعية في العالم، مقارنة بنسبة 16 في المئة للولايات المتحدة و33 في المئة للحلفاء، تبلغ قيمتها المضافة في التكنولوجيا المتقدمة 18 في المئة، مقارنة بنسبة 29 في المئة للولايات المتحدة و37 في المئة للحلفاء.

(رويترز)
دونالد ترمب يسير إلى جانب شي جينبينغ لدى وصوله إلى قاعة الشعب الكبرى في بكين، 14 مايو 2026

تكتسب القيمة المضافة والأرباح أهميتهما لأنهما تظهران أن الشركات الغربية، لا الشركات الصينية، توفر قدرا كبيرا من القيمة الاقتصادية التي لا يمكن الاستغناء عنها، حتى في صناعات التصدير الصينية الكبرى مثل الإلكترونيات. في الواقع، يلاحظ فاغل وبروكس أنه في حين تولد الصين 31 في المئة من القيمة المضافة العالمية في الأجهزة التقنية، لا تولد شركاتها سوى 13 في المئة من المبيعات العالمية في هذا القطاع، ما يعني أن الجزء الأكبر من القيمة المضافة الصينية في إنتاج كل شيء، من الحواسيب المحمولة إلى الهواتف، يأتي من شركات أجنبية تعمل في الصين إلى حد كبير من أجل التصدير.

سيكون نقل الشركات الغربية سلاسل إمدادها إلى دول نامية أخرى ذات منظومات تصنيع أقل كفاءة مؤلما ومكلفا. لكن خروج سلاسل الإمداد الغربية من الصين سيعني، بالنسبة إلى بكين، شللا طويل الأمد لصناعتها التصديرية.

الناتج المحلي الإجمالي للصين مبالغ فيه بما يقارب الثلث... وهذا يضعه عند 52 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في عام 2022

وماذا عن الشركات الصينية الأكثر تطورا مثل "بي واي دي" وهواوي، أو أبطال الطاقة النظيفة في الصين مثل "كاتل"؟ بفعل الدعم الحكومي، تصعد الصين بسرعة في سلسلة القيمة في كثير من الصناعات الاستراتيجية، ولديها بالفعل شركات ومنتجات رائدة عالميا في مجالات مثل السيارات الكهربائية والبطاريات.

غير أنها تبقى جزءا صغيرا فقط من الاقتصاد الصيني ككل. ويشير المؤلفان إلى أن نحو 60 في المئة من القيمة المضافة الصناعية في الصين لا تزال في مجالات منخفضة التكنولوجيا مثل المعادن والبلاستيك والألعاب. وحتى منتجات الطاقة النظيفة، مثل أنظمة الطاقة الشمسية، ليست متطورة على نحو خاص، ويمكن تكرارها، وإن بكلفة أعلى، في دول أخرى.

ويقدم فاغل وبروكس نمذجة مفيدة تكشف عمق هذه الرؤى. ففي ستة سيناريوهات مختلفة تحاكي انفصالا حادا بين الغرب والصين بسبب تايوان، تتعرض الصين لضربة قصيرة الأمد في ناتجها المحلي الإجمالي تزيد بما يتراوح بين 4.7 و11.1 ضعف الضربة التي تتعرض لها الولايات المتحدة، مع خسائر صينية تتراوح بين 15.4 في المئة و50.8 في المئة، مقارنة بخسائر أميركية تتراوح بين 2.8 في المئة و7.6 في المئة. ولا مجال للخطأ هنا: سيكون الانفصال مؤلما للغاية للطرفين، فخسارة قصيرة الأمد تقارب 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي ليست أمرا هينا، لكن لدى الصين ما تخسره أكثر بكثير مما لدى الولايات المتحدة إذا دخل الطرفان في مواجهة شاملة.

(رويترز)
امرأة تمر قرب روبوتات بشرية في جناح شركة "إنفيديا" خلال معرض سلاسل التوريد الدولي في بكين، 16 يوليو 2025

ويطرح المؤلفان تحفظين تحذيريين، وبدا لاحقا أنهما ينذران بما هو آت. فإذا انفصلت الولايات المتحدة وحدها عن الصين، من دون حلفائها، فستكون خسارتها القصيرة الأمد في الناتج المحلي الإجمالي أكثر تقاربا، إذ ستبلغ 70 في المئة من خسارة الصين. ويشيران أيضا إلى هيمنة الصين على إنتاج المعادن الحيوية، مثل العناصر الأرضية النادرة، بوصفها مجالا للنفوذ. لكن فاغل وبروكس يبدوان هنا متفائلين أكثر من اللازم. فهما يجادلان، على نحو صحيح، بأن العناصر الأرضية النادرة صناعة منخفضة القيمة وصغيرة نسبيا، تبلغ قيمتها 6 مليارات دولار، ويمكن من الناحية العملية إعادة بنائها خارج الصين، وأن تخزين هذه المعادن يعد وسيلة فعالة للتخفيف من المخاطر.

60 في المئة من القيمة المضافة الصناعية في الصين لا تزال في مجالات منخفضة التكنولوجيا مثل المعادن والبلاستيك والألعاب

لكنهما يقللان من شأن طول الوقت اللازم لإعادة توجيه الإمدادات، إذ تستغرق معظم المناجم عقدا على الأقل لبدء الإنتاج، كما يقللان من الفاعلية الفريدة لهذه النقطة الخانقة. تستطيع الصين وقف الصادرات إلى الولايات المتحدة بكلفة قليلة على نفسها، بينما تلحق ضررا هائلا بالولايات المتحدة في الأجل القصير مع نفاد الإمدادات اللازمة لخطوط التجميع الصناعية.

ومع ذلك، فهذه بالضبط هي التجربة التي خاضتها إدارة ترمب في عام 2025. فقد ناصبت الحلفاء العداء في الوقت الذي خاضت فيه حربا تجارية شاملة مع الصين، ما دفع الأخيرة إلى استخدام سلاح العناصر الأرضية النادرة غير المتماثل قبل أن يتاح للغرب الوقت لإعادة بناء سلسلة إمداد بديلة خارج الصين أو تكوين مخزون كاف. وثبت أن الرسوم الجمركية الأحادية أداة ضعيفة تجاوزتها الصين بسهولة، إذ أعادت توجيه صادراتها إلى أسواق أخرى وسجلت فائضا تجاريا قياسيا بلغ 1.2 تريليون دولار. وفي منافسة اقتصادية يميل فيها ميزان القوة بوضوح شديد لمصلحة الولايات المتحدة وشركائها، اختارت واشنطن استراتيجية منفردة بالغة السوء في لحظة لم تكن فيها مستعدة، فجاءت النتائج متوقعة.

لكن لدى الولايات المتحدة فرصة للتكيف مع أخطائها، بدلا من استخلاص دروس مبالغ فيها بدافع اليأس. فإذا كانت الولايات المتحدة والصين تدخلان في منافسة طويلة الأمد، فسيكون النفوذ الاقتصادي أداة حاسمة للتصدي للأفعال الصينية التي يراها الغرب غير متوافقة مع مصالحه. وفي المقابل، سيتيح الحفاظ على الردع الاقتصادي للغرب اتباع سياسات يراها منسجمة مع مصالحه، مثل إقامة حواجز تجارية لإحباط فائض الطاقة الإنتاجية الصيني، من دون خوف من أن تجبره الإجراءات الانتقامية الصينية على التراجع. وكما يشير فاغل وبروكس بحق، لدى الولايات المتحدة بالفعل أوراق أكثر يمكن أن تستخدمها ضد الصين إذا أدت التوترات الاستراتيجية أو الاقتصادية إلى تبادل تصعيدي للضربات. فإذا وجهت الصين ضربة قوية عبر العناصر الأرضية النادرة، يمكن للولايات المتحدة، من حيث المبدأ، أن ترد بعقوبات مالية موجعة، أو بقطع تدفق التقنيات الحيوية أو الاستثمارات التي تغذي آلة التصدير الصينية.

(أ.ف.ب)
سفينة حاويات تبحر قبالة ميناء تشينغداو شرق الصين، 12 مايو 2026

وسيؤدي ذلك إلى إلحاق ألم اقتصادي قصير الأمد بالولايات المتحدة نفسها. لكن إذا كانت الولايات المتحدة جادة في استعادة الردع الاقتصادي ومنع الإكراه الاقتصادي الصيني من إملاء السياسة الأميركية، فعليها أن تكون مستعدة لتحمل بعض الكلفة في الضربة المضادة، وربما تعويض المستهلكين أو الشركات في مثل هذا التبادل لتخفيف الألم.

إذا دخلت واشنطن وبكين في منافسة طويلة الأمد، فسيكون النفوذ الاقتصادي أداة حاسمة للتصدي للأفعال الصينية التي يراها الغرب غير متوافقة مع مصالحه

ويظل العمل مع الحلفاء بالغ الأهمية أيضا. فسواء في تبادل قصير الأمد أو في تحصين الكتلة الأميركية على المدى الطويل داخل اقتصاد عالمي آخذ في التصدع، يمنح الحلفاء الولايات المتحدة ثقلا اقتصاديا راجحا. ويتمثل التحدي الأكبر أمام الغرب في التنسيق. وللاستفادة حقا من حجم ميزته، ينبغي لواشنطن أن تشكل تحالفا للأمن الاقتصادي مع شركائها الغربيين، يتعهدون فيه بمساعدة بعضهم بعضا عند التعرض لأي إكراه اقتصادي صيني، وبالتخطيط المشترك للخطوات المضادة وضوابط التصدير، وحتى المساعدة الاقتصادية المتبادلة. واتبع الغرب سياسة عقوبات منسقة كهذه بالضبط، وبفاعلية كبيرة، في الفترة التي سبقت الغزو الروسي لأوكرانيا.

وينبغي للإدارات المقبلة أن تنتبه إلى ذلك. فإذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للرد بقوة مع إبقاء شركائها إلى جانبها، ولتحمل بعض التداعيات على الشركات والاقتصاد، فإنها تمتلك بالفعل تفوقا تصعيديا اقتصاديا على الصين، ما دامت واشنطن لا تهدر ميزتها عبر تفتيت تحالفاتها في الوقت نفسه.

font change

مقالات ذات صلة