هل تصبح سوريا ممراً بديلاً لمضيق هرمز؟

تأمل البلاد في تمويل إعادة إعمارها عبر التحول إلى مركز جديد للنقل والخدمات اللوجستية في الشرق الأوسط

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
أشخاص يتابعون خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع على شاشة عملاقة قرب ضريح الجندي المجهول في جبل قاسيون المطل على دمشق، خلال مراسم الكشف عن الشعار الوطني الجديد، 3 يوليو 2025

هل تصبح سوريا ممراً بديلاً لمضيق هرمز؟

حين سقط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلن الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع أن بلاده ستنتهج سياسة خارجية تقوم على مبدأ "صفر مشاكل". آملا في أن يفتح ذلك باب الخروج من العزلة، ويساعد في معالجة جانب من أزماتها الاقتصادية. وأغرى احتمال استقرار سوريا دولا في الشرق الأوسط بإبرام صفقات استثمارية لا تقل قيمتها عن 28 مليار دولار في عام 2025، فيما واصلت البلاد استقطاب المزيد من هذه الصفقات حتى الآن خلال عام 2026.

ومع تواصل هذا المسار وسط الحرب القائمة مع إيران، ازداد حضور الرهان الجيوسياسي والاقتصادي الأهم لسوريا، ومفاده أن البلاد تستطيع أن تتحول إلى ممر بالغ الحيوية لتدفقات الطاقة والتجارة والربط التكنولوجي، يصل آسيا بأوروبا عبر قلب الشرق الأوسط. وفي ظل إغلاق مضيق هرمز فعليا، وتصاعد انعدام الأمن في البحر الأحمر، تقدم سوريا نفسها باعتبارها خيارا بريا بديلا أكثر مباشرة.

وبفعل راهنية هذا الطرح الجيوسياسي، دعي وزير المالية السوري إلى حضور قمة مجموعة السبع في مايو/أيار، كما تلقى الشرع دعوة للمشاركة في قمة للمجموعة نفسها في منتصف يونيو/حزيران. ويعكس هذا الارتفاع المفاجئ في مستوى انخراط سوريا مع أطراف مثل مجموعة السبع إدراكا متزايدا لأهمية ما تعرضه دمشق من حلول محتملة بعيدة المدى للمشكلات التي أفرزتها حرب إيران.

(أسوشييتد برس)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يصافح مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال اجتماع الحوار رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا في بروكسل، 11 مايو 2026

وتجلت إحدى هذه الفرص في قمة طارئة للاتحاد الأوروبي عقدت في قبرص في أبريل/نيسان، حيث عرض الشرع سوريا بوصفها جزءا من الإجابة عن هواجس أوروبا المرتبطة بأمن الطاقة. وقال إن "سوريا، التي كانت يوما ساحة لصراعات الآخرين، اختارت اليوم.. أن تكون جسرا للأمان وركيزة أساسية في الحل"، مقدما بلاده على أنها "شريان بديل وآمن يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية".

احتمالات استقرار سوريا أغرت دولا من الشرق الأوسط بإبرام صفقات استثمارية بقيمة لا تقل عن 28 مليار دولار خلال عام 2025

وفي قبرص، اقترح الشرع إحياء مشروع "البحار الأربعة" القديم، الذي ظل حبيس الأدراج، بحيث تصبح سوريا نقطة وصل للتجارة والخدمات اللوجستية عبر السكك الحديدية والطرق وخطوط الأنابيب التي تربط بين المسارات البحرية في البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين والخليج.

كان من شأن مشروع عابر للحدود من هذا النوع أن يخفف بدرجة كبيرة اعتماد المنطقة والعالم على مضيق هرمز، من خلال بناء شبكة من الممرات البرية التي تشق الشرق الأوسط وصولا إلى أوروبا. وجاء هذا الطرح العلني بعد زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق، وبعد إعلان تركيا إنهاء القيود الجمركية مع أرمينيا، وهما تطوران يبدوان ضروريين لفتح الطريق نحو بحري قزوين والأسود والاستفادة من موقعهما.

غير أن تحويل الرؤية التي طرحها الشرع إلى واقع يحتاج إلى سنوات طويلة. فسوريا اليوم تكافح حتى لتأمين رواتب موظفي القطاع العام، في وقت تواجه فيه كلفة إعادة إعمار هائلة تقدر بمئات مليارات الدولارات.

غير أن المسألة الأهم تكمن في أن النقل البري، مهما بلغ من سرعة، لا يمكنه مجاراة النقل البحري من حيث القدرة الاستيعابية. فقبل الحرب الحالية مع إيران، كان مضيق هرمز ممرا لنحو 27 في المئة من نفط العالم، و20 في المئة من الغاز الطبيعي المسال، و30 في المئة من الأسمدة عالميا. أما السلع الاستهلاكية، فكان يمر عبر المضيق ما لا يقل عن 26 مليون حاوية سنويا، بما يجعل إغلاقه تهديدا مباشرا لحركة الواردات على مستوى العالم. وفي دول الخليج، يظل الأمن الغذائي مصدر قلق شديد، إذ تستورد هذه الدول نحو 85 في المئة من إمداداتها الغذائية عبر المضيق.

(أسوشييتد برس)
ناقلة نفط راسية قبالة مصفاة بانياس على الساحل السوري، 1 مايو 2026

ومع ذلك، إذا نجحت سوريا في تحقيق طموحاتها والتحول إلى مركز عالمي للخدمات اللوجستية وممر رئيس للتجارة، فإن ذلك سيحد من الاعتماد المفرط على مضيق هرمز. ويمكن أن تصبح سوريا شريانا بريا بديلا داخل شبكة أوسع من الشرايين الجديدة، تمتد من الخليج إلى مصر والأردن.

مشروع "البحار الأربعة" يحول سوريا إلى نقطة وصل عبر شبكات السكك الحديدية والطرق وخطوط الأنابيب التي تربط بين البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين والخليج

ومن شأن ذلك أن يترك أثرا عالميا واسعا، يطال دول المنطقة ومنتجي الطاقة في الخليج والمستهلكين في أوروبا، قبل أن ينعكس على سوريا نفسها. فقد تسبب إغلاق إيران مضيق هرمز في ارتفاع كبير في كلفة التأمين على الشحن البحري، وهي كلفة لا يرجح أن تعود إلى مستوياتها السابقة حتى إذا توقفت الحرب، ما يمنح النقل البري قدرة أكبر على المنافسة. وعلى نطاق أوسع، إذا أصبحت سوريا فعلا ما يأمل كثيرون أن تكون عليه، فإن تعافيها وازدهارها لن يبقيا شأنا سورياً فحسب، بل سيمتدان إلى جوارها، ويدفعان نحو قدر من الاستقرار والتكامل الإقليمي قلما عرفه المشرق، إن كان قد عرفه أصلا.

وليس من قبيل المصادفة أن تتقاطع رؤية الشرع الاقتصادية، الساعية إلى استقطاب دعم دولي لتعافي سوريا، مع التحديات الأمنية والدبلوماسية التي يواجهها العالم اليوم. فلو غاب الدافع الجيوسياسي الذي يمنح هذا الطرح ثقله، لكان من المرجح أن تُقابل دعوات الاستثمار في سوريا بتجاهل واسع. ومع أن التحذيرات من عمق تدهور البنية التحتية السورية دقيقة بلا شك، فإن أي مسار لا بد أن يبدأ من نقطة ما. وقلما احتاج الشرق الأوسط إلى أسباب للأمل تعد بتعزيز الترابط والمنافع المشتركة كما يحتاج إليها اليوم.

وتفتح مخاوف الأمن الغذائي في الخليج نافذة أخرى أمام سوريا، إذ يمر 85 في المئة من واردات الغذاء عبر مضيق هرمز. ورغم أن المخزونات الغذائية الكبيرة في المنطقة، وقدرتها على تمويل إمدادات إضافية من مصادر أخرى على المدى القصير، حالت دون حدوث نقص كبير، فإن الضبابية الطويلة الأمد دفعت إلى التفكير في بدائل. وفي هذا السياق، تدرس السعودية، على سبيل المثال، جدوى إنشاء خط سكة حديد فائق السرعة لنقل الغذاء وسلع تجارية أخرى من سوريا عبر الأردن إلى مدينة عرعر في شمال المملكة.

(رويترز)
صورة للناقلة "بريونت" الخاضعة لعقوبات أميركية بسبب صلاتها بشبكة شحن مرتبطة بإيران، قرب ميناء بانياس النفطي في سوريا، 8 أبريل 2026

في موازاة ذلك، شكلت سوريا والأردن وتركيا هيئة ثلاثية تسعى إلى إنشاء ممر تجاري إقليمي يعتمد على الطرق البرية أولا، ثم على خط سكك حديد الحجاز بعد إحيائه لاحقا، بما يربط ميناء العقبة بالموانئ التركية عبر سوريا. ومرة أخرى، فإن تطوير ممرات إقليمية كهذه من شأنه أن يقلص الاعتماد على مضيق هرمز، وأن يضع سوريا في قلب البدائل الممكنة.

أمام سوريا فرصة الاستجابة للمخاوف الحادة المتعلقة بالأمن الغذائي في الخليج، حيث يتم استيراد 85 في المئة من الغذاء عبر مضيق هرمز

ويبدو أن الترابط الإقليمي في قطاع الطاقة مقبل بدوره على مرحلة تحول خلال السنوات المقبلة، إذ تخضع أربعة مشاريع كبرى عابرة للحدود في مجال أنابيب النفط والغاز لتقييمات فنية، تمهيدا لإعادة تأهيل بعضها وتشغيله مجددا، أو توسيع نطاق بعضها الآخر إلى داخل سوريا وما بعدها. وتشمل هذه المشاريع خط الغاز العربي من مصر إلى تركيا عبر الأردن وسوريا، وخط أنابيب كركوك بانياس بين العراق وسوريا، وخط أنابيب قطر تركيا عبر السعودية والأردن وسوريا، إضافة إلى إعادة تشغيل خط الأنابيب العابر للجزيرة العربية من السعودية إلى سوريا ولبنان عبر الأردن.

خط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول، الذي يربط أذربيجان بتركيا ثم شمالا بأوروبا، امتد جنوبا باتجاه حلب، مساهما في دعم استقرار شبكة الكهرباء في شمال سوريا. ويمكن لهذه المشاريع الضخمة أن تبدل مسارات تدفق النفط والغاز، فتخفف اعتمادها على الطرق البحرية المارة عبر مضيق هرمز، وتحد في الوقت نفسه من القلق الأوروبي المتزايد بشأن أمن الطاقة.

ورغم أن هذه المشاريع الكبرى لن تصبح واقعا بين ليلة وضحاها، فإن منتجي الطاقة في المنطقة بدأوا بالفعل التعامل مع سوريا بوصفها ممرا بديلا. فالعراق ينقل النفط عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط، ومنه إلى مشترين في أوروبا، بينما تشير تقارير إلى أن الإمارات ودولا خليجية أخرى تستخدم المسار نفسه.

(أسوشييتد برس)
شاحنات عراقية تغادر مصفاة بانياس بعد تفريغ شحنات نفط في غرب سوريا، 1 مايو 2026

وتحتاج هذه المشاريع الاستراتيجية إلى استثمارات كبيرة من الأطراف التي تسعى إلى الاستفادة من المسارات الجديدة. وفي المنطقة، برزت السعودية وقطر في مقدمة الداعمين، عبر صفقات استثمارية في قطاعي الطاقة والطيران، فيما أطلقت السعودية في هذا السياق ممرا للبيانات يمتد من الشرق إلى البحر المتوسط. أما الإمارات، فتعمل بدورها على توسيع حضورها، بما في ذلك إدارتها ميناء طرطوس وتوسيعه. وحتى الآن، أبرم معظم كبار اللاعبين في قطاع الطاقة بالشرق الأوسط اتفاقات في مجالي النفط والغاز، ومن بينهم "قطر للطاقة" و"أرابيان دريلينغ".

المشاريع الكبرى تحتاج بلا شك إلى وقت طويل حتى ترى النور، لكن منتجي الطاقة في المنطقة بدأوا بالفعل استخدام سوريا كمسار بديل

وبرزت إدارة ترمب بدورها داعما آخر، عبر تسريع تخفيف العقوبات، وتوفير الإسناد السياسي، والتوسط لدخول شركات الطاقة الأميركية إلى السوق السورية، بما في ذلك صفقات موقعة مع "شيفرون" و"كونوكو فيليبس". وتبقى هذه المساندة حاسمة، كما تظل وعود الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإلغاء تصنيف سوريا، الموروث من عهد الأسد، دولة راعية للإرهاب على درجة كبيرة من الأهمية.

غير أن تثبيت استقرار سوريا وتعزيز اندماجها في النظامين الاقتصادي والتجاري الدوليين يقتضيان أن يتراجع خصماها عن سياساتهما. ومني أحدهما، أي إيران، بخسائر كبيرة خلال الأشهر الماضية، ومن المرجح أن تنشغل في المستقبل القريب بإعادة بناء ما لحق بها من أضرار.

(رويترز)
ناقلة النفط "نيسوس كريستيانا" الراسية في ميناء طرطوس، وهي أول سفينة تنقل النفط إلى سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، 1 سبتمبر 2025

أما الخصم الآخر، إسرائيل، فلا تزال تمضي في سياسة ترمي إلى إضعاف سوريا ودفعها نحو مزيد من التفكك. وصعدت إسرائيل، من دون مبرر واضح، عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية خلال الأسبوعين الماضيين على نحو لافت، فزادت توغلاتها البرية أكثر من مرة، ورفعت ضرباتها المدفعية إلى ثلاثة أضعاف. ولا تقتصر خطورة هذه التحركات على تهديد الانتقال السياسي الهش في سوريا، بل تمتد أيضا إلى تبديد فرصة نادرة لبناء أمن اقتصادي طويل الأمد في منطقة مضطربة يصعب التنبؤ بمساراتها.

font change

مقالات ذات صلة