الهدنة الأميركية - الإيرانية كانت الجزء الأسهل... ما هي "العقد" المقبلة؟

أما دفع إيران إلى تقديم تنازلات في القضايا الجوهرية فسيكون مهمة شاقة

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
رجل إيراني يقود دراجته النارية قرب قارب على شاطئ سورو في بندر عباس المطلة على مضيق هرمز، 24 أبريل 2026

الهدنة الأميركية - الإيرانية كانت الجزء الأسهل... ما هي "العقد" المقبلة؟

في النزاعات بين الدول، غالبا ما تكون الحروب وسيلة لتحسين المواقع على طاولة التفاوض. لكن السؤال الآن هو: هل أصبحت الولايات المتحدة في موقع أقوى للحصول على ما تريده من إيران عبر المفاوضات، أم إن موقعها بات أضعف؟

لا يزال الإطار الذي طرحه ترمب للاتفاق، والمتمثل في فتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار الأميركي على إيران، ووقف الضربات العسكرية، غامضا في جوهره. فهناك ملفات رئيسة كثيرة لم تحسم بعد، من بينها نطاق التخفيف الاقتصادي الممنوح لإيران وحجمه، ومآل الحرب الإسرائيلية مع "حزب الله" في لبنان، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني. وبسبب هذه الضبابية، وحتى إن صمد هذا السلام الهش، ستبقى واشنطن وطهران منخرطتين في مفاوضات مستمرة حول التفاصيل والخطوات المقبلة. والمؤسف أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران ربما جعلت الولايات المتحدة أقل قدرة على انتزاع تنازلات من طهران، رغم ما تكبدته هذه الحرب من كلفة باهظة.

ومع أن أهداف الحرب الأميركية بدت مضطربة منذ بداية الحملة في 28 فبراير/شباط، فإن تصريحات الرئيس وكبار القادة عكست طموحات واسعة، من بينها تغيير النظام، إلى جانب أهداف أكثر محدودية، مثل إضعاف البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتقليص دعم طهران لوكلائها الإقليميين، وعلى رأسهم "حزب الله". لكن حتى عند الاكتفاء بهذه الأهداف الأقل طموحا، تبدو الولايات المتحدة اليوم في موقع أضعف مما كانت عليه قبل اندلاع النزاع.

(رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من محافظة مسندم العُمانية، 16 يونيو 2026

وللوضوح، وجهت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات موجعة إلى طهران. إذ بدأت الحرب بسلسلة من الغارات الجوية المدمرة التي قتلت مئات من كبار القادة الإيرانيين، بينهم الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي، وعدد كبير من كبار مسؤولي "الحرس الثوري الإسلامي" والاستخبارات. كما تلقى البرنامج النووي الإيراني، الذي كان قد تراجع بالفعل بعد ضربات أميركية وإسرائيلية في عام 2025، ضربة جديدة، فيما دمر معظم الأسطول البحري المتهالك للبلاد. ودمرت الولايات المتحدة وإسرائيل أيضا نحو ثلث الترسانة الصاروخية الإيرانية، وهي نسبة أقل مما أشيع في البداية، لكنها تظل كبيرة ومؤثرة.

لا يزال إطار الاتفاق والمتمثل في فتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار ووقف الضربات العسكرية، غامضا في جوهره

أما اقتصاديا، فقد عمقت الحرب والحصار الأميركي خراب الاقتصاد الإيراني المنهك أصلا. وينكر القادة الإيرانيون ذلك علنا بخطاب تحد يتحدث عن الصمود والمقاومة، غير أن إصرارهم المتكرر على طلب تخفيف اقتصادي ضمن أي اتفاق يوحي بعكس ذلك. وقبل الحرب، كانت إسرائيل ألحقت بـ"حماس" دمارا واسعا في غزة، وأضعفت "حزب الله" في لبنان، ثم جاءت الضربات الإسرائيلية على "الحزب" هذا العام لتزيد من تآكل قوته، بالتزامن مع احتلال إسرائيل منطقة عازلة داخل لبنان.

غير أن إيران لم تنج من هذه الحملة فحسب، بل ردت بقوة أيضا. فقد طالت صواريخها وقذائفها وطائراتها المسيرة البنية التحتية النفطية وغيرها من المنشآت الحيوية لدى حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، كما دمرت طائرات أميركية واستهدفت قواعد تابعة لواشنطن. وواصل "حزب الله" هجماته على شمال إسرائيل، رغم العمليات البرية والجوية التي شنّتها إسرائيل ضده. أما الأهم، فهو أن إيران نجحت إلى حد بعيد في إغلاق مضيق هرمز، معرقلة التدفق الحر للنفط والغاز وسلع أخرى، الأمر الذي دفع الأسعار إلى الارتفاع وأحدث اضطرابات في أنحاء العالم.

ومع دخول الولايات المتحدة وإيران جولات تفاوضية في الأشهر المقبلة، ستكون طهران ممسكة بأوراق ضغط أكبر. ويأتي أبرز مصادر هذا النفوذ من قدرتها على إغلاق المضيق، وهي قدرة كشفت عنها للمرة الأولى خلال هذه الحرب. فعلى الرغم من المواجهات العديدة السابقة مع إيران، بما في ذلك الحملة الأميركية والإسرائيلية في عام 2025، كانت طهران تتجنب إغلاق المضيق، إذ تعاملت معه بوصفه خيارا أخيرا، خشية أن تؤدي خطوة كهذه إلى توحيد العالم ضدها، حتى لو انتهت بالفشل تحت وطأة القوة العسكرية الأميركية. لكن أيا من هذين الأمرين لم يتحقق. فرغم حملة القصف الأميركية والإسرائيلية الواسعة، ثم أشهر من الضربات المتقطعة، بقي مضيق هرمز مغلقا.

وخسرت الولايات المتحدة أيضا جزءا من أحد أهم مصادر قوتها، وهو تحالفاتها. فقد أدى قرار واشنطن شن الحرب من دون التشاور مع الأوروبيين أو معظم الحلفاء الآخرين، ثم توجيه الإدانات إليهم لاحقا بسبب عدم تقديم المساعدة، إلى دفع بعض الدول إلى الوقوف في وجه الإدارة الأميركية، كاشفا عن انقسام عميق بشأن الحرب، رغم اعتماد كبار الحلفاء على واردات النفط والغاز.

(أ.ف.ب)
نساء إيرانيات يسرن أمام جداريات مناهضة للولايات المتحدة قرب السفارة الأميركية السابقة في طهران، 15 يونيو 2026

وفي الشرق الأوسط، ربما أفرجت دول حليفة رئيسة، مثل الإمارات وقطر، عن أموال لإيران في محاولة لاحتواء التصعيد الإيراني ضد دول الخليج. وبينما اقتربت بعض هذه الدول، مثل الإمارات، من الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن دولا أخرى باتت تشكك في مدى موثوقية واشنطن.

إيران أغلقت مضيق هرمز، وعرقلت التدفق الحر للنفط والغاز وسلع أخرى، ما أحدث اضطرابات في أنحاء العالم

حتى إسرائيل والولايات المتحدة أصبحتا الآن على طرفي خلاف. فقد وضع الإسرائيليون رهانهم على ترمب، آملين في الفوز بكل شيء، لكنهم ربما انتهوا إلى خسارة كل شيء. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل فتح المضيق أولوية حيوية، غير أن لدى إسرائيل هواجس أخرى كثيرة. وندد عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين بالاتفاق الأخير، معتبرين أنه لا يعالج الملف النووي بالغ الأهمية، ولا برنامج الصواريخ الباليستية المتوسطة المدى الإيراني. ومن المرجح أنهم يخشون أيضا أن يتيح الاتفاق لـ"حزب الله" إعادة بناء قوته في لبنان، فضلا عن اعتراضات أخرى. كما يسعى كثير من الإسرائيليين إلى تقويض صدقية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع دخول إسرائيل موسم الانتخابات. وهكذا وجد الحليفان الوثيقان نفسيهما منقسمين.

ومن المرجح أيضا أن تستخدم إيران هذا النفوذ بجرأة أكبر مما كانت ستفعل قبل انطلاق الحملة الأخيرة. فقد جمع خامنئي، حين كان الأمر يتعلق بالمواجهة مع الولايات المتحدة، بين خطاب هجومي وحسابات حذرة. أما القادة الإيرانيون الجدد فقد يشعرون بثقة أكبر، بعدما نجوا من الهجوم الأميركي والإسرائيلي ومن حملة تغيير النظام، وبقوا صامدين، بل تمكنوا أيضا من إلحاق الأذى بخصومهم.

(أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس جيرالد آر فورد" تغادر خليج سودا في جزيرة كريت اليونانية، 26 فبراير 2026

وستكشف الأشهر المقبلة ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تحويل حملة عسكرية مكلفة ومثيرة للجدل إلى نجاح دبلوماسي. وسيكون على واشنطن أن تعيد بناء ثقة حلفائها، وتعزز الردع، وتفرض قيودا ذات معنى على برنامجي إيران النووي والصاروخي. وإلا فإن طهران ستزداد اقتناعا بأنها تستطيع، في الأزمات المقبلة، أن تفصل الولايات المتحدة عن حلفائها، وأن تتحمل دمار الحرب، وأن تفرض كلفة مرتفعة على واشنطن وحلفائها.

font change

مقالات ذات صلة