بعد مضيق هرمز... الصين أمام معضلة ملقا

يمكن لأقساط التأمين التي تهيمن عليها الأسواق الغربية أن تفرض ضغطا أقوى من السفن الحربية على تدفق النفط إلى بكين

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
ناقلة نفط خام ترسو في ميناء تشينغداو شرق الصين، 07 مارس 2026

بعد مضيق هرمز... الصين أمام معضلة ملقا

حين قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في فبراير/شباط، مضت طهران إلى تنفيذ تهديدها القديم، فأغلقت مضيق هرمز، ذلك الشريان البحري الضيق الذي يمر عبره عادة خمسة إمدادات النفط والغاز الطبيعي في العالم. دوت الصواريخ، وغاصت الألغام في قاع البحر، واستدارت الناقلات عائدة من حيث أتت.

لم يكن إغلاق المنفذ الوحيد للخليج حصارا فيزيائيا فحسب، بل كان حصارا ماليا أيضا. فبين عشية وضحاها، قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن العابرة لمضيق هرمز، بعدما أعاد مؤمنو القطاع الخاص تسعير التغطية إلى مستويات تعجز شركات الشحن عن تحملها، أو امتنعوا عن تقديمها من الأساس.

وجدت الصين نفسها بين الدول التي اشتد عليها هذا الخناق، رغم سنوات من التقارب مع طهران، وما تلقته من تطمينات بأن سفنها ستستثنى من أي حصار محتمل. فالشرق الأوسط يؤمن نحو نصف واردات الصين النفطية. وإذا كانت بكين عاجزة عن ضمان تدفق نفطها حين تتحكم قوة صديقة بممر حيوي بالغ الحساسية، فكيف سيكون حالها عندما يصبح الممر الحيوي التالي في قبضة خصم كالولايات المتحدة؟

ينبغي لهذا السؤال أن يؤرق الزعيم الصيني شي جينبينغ. فرغم أن الصين تملك أكبر منظومة صناعية في العالم للمركبات الكهربائية، والألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، إلا أن مصانعها وشاحناتها وسفنها وطائراتها المقاتلة لا تزال تعتمد في تشغيلها على النفط. ومن أصل 15 إلى 16 مليون برميل تستهلكها يوميا، يصل نحو 11 مليون برميل بحرا عبر مياه لا تخضع لسيطرة بكين. ومع أن قرابة 40 في المئة من هذه الكمية تمر عبر مضيق هرمز، فإن هرمز ليس الممر الأشد حساسية.

الكلام هنا ينطبق على مضيق ملقا، ذلك الممر البحري الطويل والضيق الذي تتشارك ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة الإشراف عليه. وفي أضيق نقطة فيه، عند قناة فيليبس، لا يتجاوز عرضه ثلاثة كيلومترات، مقارنة بنحو أربعة كيلومترات لأضيق ممر ملاحي في هرمز. ويعبر ملقا يوميا نحو 23.2 مليون برميل من النفط، أي أكثر مما يتدفق عبر هرمز. أما الصين، فيمر نحو 80 في المئة من وارداتها النفطية عبر هذا المضيق على متن ناقلات بحرية.

(رويترز)
سفينة حاويات تعبر مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقا قبالة ماليزيا، 12 نوفمبر 2016

تنظر بكين منذ زمن إلى اعتمادها الكبير على مضيق ملقا باعتباره مكمن ضعف استراتيجي. ففي عام 2003، حذر الزعيم الصيني آنذاك هو جينتاو من "معضلة ملقا"، أي من احتمال أن تتحول سيطرة قوة معادية على المضيق إلى وسيلة لابتزاز الصين عبر إمداداتها النفطية. كان هاجسه في ذلك الوقت حصارا بحريا مباشرا، تُرغم فيه ناقلات الصين على الرجوع بالقوة. غير أن أزمة إيران كشفت تهديدا أشد خطورة.

خلال الحرب قفزت أقساط التأمين على السفن العابرة لمضيق هرمز، إلى مستويات تعجز شركات الشحن عن تحملها


ففي أي صراع حول تايوان، قد تُقطع مسارات النفط إلى الصين من دون حاجة إلى حصار بحري مباشر. ولن تحتاج الولايات المتحدة لتحقيق ذلك إلا إلى أداتين: دفع الكلفة على بكين إلى مستويات تخرجها من سوق التأمين، وتحذير الدول المطلة على المضيق من أن تسهيل تدفق النفط إلى الصين سيجر عليها كلفة أخرى، أثقل وأشد إيلاما.

كشفت حرب إيران بوضوح أن النقل البحري يعتمد على التأمين، ومن دونه تبقى السفن راسية في الموانئ. فمع اندلاع القتال، قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن العابرة لهرمز من نحو 0.25 في المئة من قيمة هيكل السفينة إلى ما بين 3 و10 في المئة. وحتى عند الحد الأدنى من هذا النطاق، تضخم قسط التأمين لناقلة متوسطة الحجم تبلغ قيمتها 250 مليون دولار من 625 ألف دولار إلى 7.5 ملايين دولار للرحلة الواحدة، ما جعل العبور غير مجد تجاريا.

لكن ما شل الحركة فعليا كان التصنيف الجديد عالي المخاطر الذي أصدرته "لجنة الحرب المشتركة" التابعة لـ"رابطة سوق لويدز". فاللجنة، التي تضم مكتبي تأمين غربيين، تصدر توجيهات اعتادت السوق العالمية الالتزام بها، بما في ذلك شركات التأمين البحري الصينية نفسها.

إلى جانب غياب التمثيل الصيني داخل هذه الهيئة، فإن أكثر ما يقلق بكين هو اتساع النفوذ الذي تتمتع به "لجنة الحرب المشتركة". فعندما اندلعت حرب إيران، لم يحتج الأمر سوى تعميم واحد حتى وُضعت البحرين والكويت وعمان على قائمة المناطق الخطرة، وأُلحقت بها جيبوتي أيضا، رغم أن رصاصة واحدة لم تطلق هناك. والسبب أن جيبوتي تقع عند مضيق باب المندب، الذي هدد الحوثيون، حلفاء إيران، بإغلاقه. وهكذا كان مجرد التلويح بهجوم كافيا لتقفز الأقساط عشرين ضعفا، من نسبة رمزية لا تتجاوز 0.05 في المئة إلى 1 في المئة من قيمة هيكل السفينة.

ويمكن أن ينسحب المنطق نفسه على أزمة تايوان. فتقويض الجدوى التجارية للعبور عبر ملقا لن يتطلب أكثر من إقناع السوق بأن الصراع قد يتسع إلى بحر الصين الجنوبي، ومنه إلى شريان النفط الرئيس في آسيا.

(رويترز)
قاطرات ترشد ناقلة النفط "أوديسا" المحملة بالنفط الإماراتي في ميناء دايسان بكوريا الجنوبية بعد عبورها مضيق هرمز، 08 مايو 2026

ولسوء حظ الصين، قد لا يحتاج إدراج مضيق ملقا على قائمة "لجنة الحرب المشتركة" إلى أكثر من ذريعة واهية. ففي عام 2005، وضعت اللجنة المضيق ضمن مناطق مخاطر الحرب، استنادا إلى تقرير مثير للجدل عن تهديدات إرهابية تستهدف حركة الشحن الإقليمي. وسرعان ما تهاوت مصداقية تلك المزاعم، لكن الأقساط بقيت مرتفعة لأكثر من عام، وبلغت 0.4 في المئة من قيمة هيكل السفينة وآلاتها.

في أي صراع حول تايوان، لن تحتاج واشنطن إلى حصار بحري مباشر للصين... بل تدفعها للخروج من سوق التأمين، وتمنع نقل النفط من مضيق ملقا

وانطلاقا من هذه السابقة، لا يستبعد أن تعد اللجنة أي حرب حول تايوان تهديدا مباشرا لمضيق ملقا. فالشراكة الدفاعية الكبرى التي وقعتها جاكرتا وواشنطن في أبريل/نيسان، وما تتيحه للولايات المتحدة من وصول أوسع إلى المياه والأجواء الإندونيسية، تقرب المضيق من دائرة أي صراع محتمل، وتيسر على اللجنة تبرير إدراجه مجددا على قائمتها.

تحاول بكين الالتفاف على "معضلة ملقا". فهي تمتلك مخزونا استراتيجيا يقترب من 1.4 مليار برميل من النفط، وأنشأت بدائل برية تشمل خطوط أنابيب من ميانمار وكازاخستان وروسيا بطاقة إجمالية تقارب 1.5 مليون برميل يوميا. لكن هذه الكمية تبقى محدودة جدا إذا ما قيست بنحو 7.9 مليون برميل تعبر المضيق يوميا في طريقها إلى الصين. وإلى ذلك، تستطيع بكين نظريا تحويل مسار ناقلاتها عبر مضيقي سوندا أو لومبوك، لتجاوز ملقا بالكامل.

هذه الحلول البديلة يمكنها المساعدة في تفادي أزمة محصورة بمضيق ملقا، لكنها لا تعالج التهديد الأكبر لأمن النفط الصيني، وهو تهديد لا يحظى بما يكفي من الانتباه. فأقساط التأمين الإضافية المرتبطة بمخاطر الحرب لا تلاحق السفينة في المياه التي تعبرها فحسب، بل ترافقها حتى ميناء الرسو.

تقدم حرب أوكرانيا نموذجا لما يمكن أن يحدث مع النفط المتجه إلى البر الرئيس الصيني، مهما تغير مساره. فقبل تسعة أيام من الغزو الروسي الشامل عام 2022، أدرجت "لجنة الحرب المشتركة" التابعة لـ"رابطة سوق لويدز" بعض المياه الروسية والأوكرانية، بما فيها البحر الأسود، ضمن المناطق عالية المخاطر. وبحلول أبريل من العام نفسه، اتسعت القائمة لتشمل جميع المياه الإقليمية الروسية، بما في ذلك الموانئ الروسية كافة. وفي ذروتها، بلغت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب في موانئ روسيا على البحر الأسود ما بين 1 و1.2 في المئة.

وإذا أقدمت الصين على غزو تايوان، فقد تجد محطاتها النفطية الكبرى في نينغبو وشنغهاي وتشينغداو نفسها أمام المنطق التأميني ذاته. عندها، قد تقفز أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على ناقلة تبلغ قيمتها 300 مليون دولار من مستوى زمن السلم، أي 150 ألف دولار سنويا، إلى 3 ملايين دولار، استنادا إلى سابقة أوكرانيا التي بلغت فيها الأقساط 1 في المئة من قيمة هيكل السفينة. وهذا ارتفاع يعادل عشرين ضعفا، وعبء قد لا يقبل بتحمله إلا قلة من المشغلين التجاريين.

(أ.ف.ب)
سفينة شحن تفرغ واردات النفط الخام في ميناء تشينغداو شرق الصين، 11 مايو 2026

قد يكون الحل البديهي أن تطور الصين منظومتها الخاصة للتأمين ضد مخاطر الحرب، كي لا تبقى رهينة للويدز. وهذا ما تسعى إليه بكين فعلا، عبر توسيع دور "نادي الصين للحماية والتعويض"، وهو جهة مدعومة من الدولة للتأمين على المسؤولية البحرية، ودعم إنشاء تجمع تأميني متخصص في هونغ كونغ لتغطية السفن الصينية في الخليج.

أقساط التأمين الإضافية المرتبطة بمخاطر الحرب لا تلاحق السفينة في المياه التي تعبرها فحسب، بل ترافقها حتى ميناء الرسو

لكن هذه الجهود ما زالت محدودة التأثير حتى الآن. فعندما اندلعت حرب إيران، لم يكن مجمع هونغ كونغ للتأمين ضد مخاطر الحرب، رغم دعم خمس شركات تأمين له، يغطي سوى عشر سفن، وبقدرة اكتتابية لا تتجاوز مليار دولار من هونغ كونغ. أي نحو 130 مليون دولار أميركي للوثيقة الواحدة، وهو سقف لا يغطي حتى هيكل ناقلة نفط حديثة واحدة، تتراوح كلفة استبدالها بين 200 و300 مليون دولار.

وهنا يبرز دور "أسطول الظل" الصيني، الذي يعتقد أنه يضم ما بين 900 و1,300 ناقلة متقادمة ترفع "أعلام الملاءمة" وتعمل بتأمين خارج منظومة لويدز. وأتقن هذا الأسطول عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، بما يساعد على طمس منشأ النفط. وهو اليوم القناة الرئيسة التي يتدفق عبرها الخام الروسي والإيراني والفنزويلي إلى المصافي الصينية. وفي عام 2025، نقل إلى الصين ما يقدر بنحو 2.6 مليون برميل يوميا، أي نحو 22 في المئة من إجمالي وارداتها. وفي حال اندلاع صراع حول تايوان، فالأرجح أن تسعى بكين إلى توسيعه على نطاق أكبر.

لكن "أسطول الظل" لا يقدم حلا بقدر ما يشكل ثغرة أشد تعقيدا. فبدلا من ملاحقة السفن فرادى، ركزت واشنطن على تفكيك الشبكة التي تبقي الناقلات الخاضعة للعقوبات قادرة على الحركة، من المفتشين والوسطاء إلى سجلات الأعلام والبنوك. وفي مايو/أيار 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركة "سي سي آي سي سنغافورة"، وهي شركة تفتيش مرتبطة ببكين، بعدما ضُبطت وهي تزور وثائق لإخفاء شحنات نفط إيراني متجهة إلى مصاف صينية. وفي غضون أيام، جمدت بنوك محلية حساباتها.

ينسحب الضغط نفسه على الطرف المتلقي. ففي أوقات السلم، غالبا ما تضع شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى حماية عملياتها العالمية فوق إغراء الخام الأرخص سعرا. وعندما فرضت واشنطن عقوبات على "روسنفت" و"لوك أويل" في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أوقفت شركات النفط الصينية "سينوبيك" و"المؤسسة الوطنية الصينية للنفط البحري" و"بتروتشاينا" خلال أسابيع واردات الخام الروسي المنقول بحرا، خشية أن تمتد إليها العقوبات بدورها. فالتصنيف الأميركي لا يعطل شحنة بعينها فحسب، بل يبعث برسالة إلى البنوك وشركات التأمين والتجار مفادها أن مواصلة التعامل قد تكلفهم حق الوصول إلى نظام المقاصة بالدولار.

(رويترز)
سفن من "أسطول الظل الروسي" تنتظر في منطقة رسو غير رسمية بخليج فنلندا قرب إستونيا، 10 أبريل 2026

وفي زمن الحرب، قد تدفع بكين عمالقة النفط لديها إلى تجاهل هذه التحذيرات ومواصلة استلام الشحنات الخاضعة للعقوبات. غير أن ذلك سيعرض هذه الشركات، على الأرجح، لعقوبات أميركية مباشرة. وحينها، لن تبقى المشكلة محصورة بالنفط الخاضع للعقوبات، بل ستطال الواردات الاعتيادية من موردين غير خاضعين للعقوبات، مثل دول الخليج. فتمويل هذه الواردات وتأمينها سيغدوان أكثر صعوبة، مع خشية البنوك الكبرى وملاك السفن وشركات التأمين من الوقوع في مخالفة للعقوبات بمجرد التعامل معها.

"أسطول الظل" الصيني لا يقدم حلا بقدر ما يشكل ثغرة أشد تعقيدا بسبب ملاحقته بالعقوبات الأميركية

وهذا سيدفع بكين إلى الاعتماد أكثر على "أسطول الظل"، وهو مسار التفافي لا يصمد إلا إذا ظل ملاك السفن الأجانب والوسطاء والبنوك على استعداد لنقل تلك البراميل تحت وطأة عقوبات متواصلة. وتراهن واشنطن على أن قلة منهم فقط ستقدم على هذه المجازفة.

لقد شيدت الصين أكثر اقتصاد أخضر طموحا في العالم، لكنها ظلت أسيرة نقطة ضعف جيوسياسية قديمة: حاجتها إلى نقل النفط عبر مياه لا تسيطر عليها. كشفت أزمة إيران أن نقطة الاختناق الحقيقية ليست مضيقا بحريا فحسب، بل سوق التأمين وقوائم العقوبات والدولار.

(أ.ف.ب)
مصفاة "سينوبيك جينلينغ" للبتروكيماويات في نانجينغ شرق الصين، 08 مايو 2026

كان هو جينتاو يخشى أن تمنع السفن الحربية الناقلات من العبور. أما ما ينبغي أن يؤرق شي جينبينغ اليوم، فهو إعادة تقييم غربية لمخاطر نقل النفط إلى الصين من الأساس.

font change

مقالات ذات صلة