وباء التشويش على أنظمة تحديد المواقع

في أنحاء العالم تتعرض إشارات حيوية لسلامة السفر جوا وبحرا للتعطيل

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
شاشة مراقبة خلال مناورات "بالتيك تراست 25" العسكرية لمكافحة الطائرات المسيرة في لاتفيا، 27 أغسطس 2025

وباء التشويش على أنظمة تحديد المواقع

في 21 مايو/أيار، وبينما كان وزير الدفاع البريطاني جون هيلي عائدا إلى بلاده من إستونيا، تعرضت إشارة الأقمار الصناعية في طائرته للتشويش طوال الرحلة، ويرجح أن روسيا وقفت وراء ذلك. وفي مختلف أنحاء منطقة بحر البلطيق، بات التدخل في أنظمة الملاحة الخاصة بالشحن والطيران مشكلة مزمنة. والآن، يتسع هذا النشاط التخريبي بسرعة في الشرق الأوسط أيضا.

كان هيلي وفريقه قد صعدوا بالكاد إلى طائرة سلاح الجو الملكي بعد زيارة للجنود البريطانيين في إستونيا، عندما تعطلت الإشارة. وكما ذكرت صحيفة "تايمز": "اضطر الطيارون إلى استخدام أنظمة ملاحة قصورية احتياطية لحساب موقعهم. وتسبب التدخل أيضا في تعطل أجزاء من لوحة القيادة في قمرة قيادة طائرة (داسو فالكون 900LX)، التي يستخدمها الملك أيضا".

ولحسن الحظ، نجح الطيارون المهرة في إنزال الطائرة بسلام في المملكة المتحدة. غير أن الحادث يذكر بالجهات المفترسة التي تتربص بالطائرات المدنية في الأجواء الأوروبية هذه الأيام. إذ تبث جهات خبيثة، على نحو مستمر، إشارات تحجب أنظمة الملاحة في الطائرات. والأسوأ أنها تبث إشارات تضلل تلك الأنظمة، وتترك الطيارين وموظفي الأرض في حال من الشك بشأن ما إذا كانت المواقع الظاهرة على أجهزتهم حقيقية.

(رويترز)
موظف قرب طائرة "داسو فالكون 900 إل إكس" خلال معرض الطيران التجاري الأوروبي في جنيف، 28 مايو 2018

في سبتمبر/أيلول الماضي، أفادت السلطات الأوروبية بأن نحو 123 ألف رحلة تأثرت بهذا النوع من التدخل الملاحي خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2025. ولم تكن الطائرات وحدها المتأثرة، إذ عانت السفن، التي تستخدم الملاحة عبر الأقمار الصناعية أيضا، من التشويش والخداع نفسيهما. وتشكل أدوات الملاحة فائقة الدقة أحد الأسباب الرئيسة التي تسمح للسفن والطائرات بالتحرك على مسافات شديدة التقارب. ومن دون الملاحة عبر الأقمار الصناعية، لما كانت سماوات اليوم ومحيطاته المزدحمة ممكنة.

جهات مفترسة تتربص بالطائرات المدنية في الأجواء الأوروبية وتبث على نحو مستمر، إشارات تحجب أنظمة الملاحة في الطائرات

في الخريف الماضي، بلغ القلق حدا دفع جمعية منظمة الطيران المدني الدولي، وهي الهيئة التشريعية للمنظمة، إلى إدانة هذا التدخل واتخاذ خطوة لافتة: تسمية الفاعلين الرئيسين، روسيا وكوريا الشمالية.

ومنذ ذلك الحين، لم يزدد الأمر إلا انتشارا. ففي مايو/أيار، قال داريوس كولييسيوس، نائب مدير هيئة تنظيم الاتصالات في ليتوانيا، لوكالة "رويترز" إن روسيا زادت، منذ بداية عام 2025، هوائيات خداع نظام "GPS" من ثلاثة إلى 36. أما "GNSS"، أو النظام العالمي للملاحة عبر الأقمار الصناعية، فهو المصطلح العام للملاحة الساتلية، بينما يشير "GPS" إلى النظام الأميركي، وإن كان المصطلح يستخدم عادة للدلالة على كل أشكال الملاحة عبر الأقمار الصناعية.

وتتكاثر هذه الآفة في أجزاء أخرى من العالم أيضا. قال بن ويستكوت، مدير الخدمات الرقمية في شركة السلامة البحرية "أمبري": "نرى تلاعبا في البحر الأسود، والبحر الأحمر، وخليج عمان، وشرق المتوسط، وبحر البلطيق، والخليج. فالسفن إما لا تحصل على أي إشارة، وإما تحصل على إشارة مشوهة". وأضاف جوشوا هاتشينسون، الرئيس التنفيذي للشؤون التجارية في "أمبري": "يعد التدخل في إشارات النظام العالمي للملاحة عبر الأقمار الصناعية أكثر التهديدات انتشارا التي تواجه القطاع حاليا".

(أ.ف.ب)
حاويات على متن عبارة تابعة لشركة "فينلاينز" خلال رحلة عبر بحر البلطيق باتجاه هلسنكي، 22 يونيو 2013

أما في الطيران، فقال رافاييل مونستين، المؤسس المشارك لشركة الاستشارات الأمنية في مجال الطيران "سكاي داتا سيرفيسز": "كان التدخل الملاحي يحدث أحيانا، لكنه الآن شبه مستمر". وعلى خلاف بحر البلطيق، حيث يصدر كل التدخل تقريبا من روسيا، تتولى إسرائيل وإيران، وأحيانا أطراف أخرى، عمليات التشويش والخداع في الشرق الأوسط. وقال مونستين: "يشكل التدخل الملاحي في الأساس إجراء من الجانبين في حرب إيران لإبعاد الطائرات المسيرة". مضيفا: "المدنيون مجرد ضحايا جانبيين". وأحيانا يتصاعد التشويش والخداع في الهند وباكستان أيضا. وتتعرض تايوان بانتظام لتدخل مماثل.

"جمعية منظمة الطيران المدني الدولي"، اتخذت خطوة لافتة من خلال تسمية الفاعلين الرئيسين، أي روسيا وكوريا الشمالية

وتكمن المشكلة في أن الدول، بل وحتى الشركات التجارية، تستطيع بناء جهاز تشويش ونشره بسهولة نسبية. فقد صارت الحرب الإلكترونية الآن عنصرا أساسيا في الحروب الحديثة. ولمن يرغب في رؤية حجم الوضع بنفسه، توفر "GPSwise" خريطة كاشفة ومقلقة في آن.

ويجعل هذا كله الطيران أشد صعوبة على شركات الطيران في المناطق المتضررة، بما في ذلك الشركات التي استأنفت بعض خدماتها من الخليج وإليه. فالحاجة إلى تحديد موقع الطائرة والتحقق منه يدويا تضيف عبئا إلى أعباء الطيارين الثقيلة أصلا. وقال مونستين: "اعتادت شركات طيران كثيرة هذا الأمر إلى حد كبير". ففي الإحاطات، يتلقى الطيارون الآن تحذيرات إذا كان هناك خطر حدوث تدخل. ويعرف الطيارون كيف يحددون مسارهم من دون مساعدة الأقمار الصناعية، لكنها مهمة إضافية عليهم أن ينجزوها بدقة. ولحسن الحظ، صممت الطائرات، ولا سيما الطائرات التجارية، بحيث تستطيع الطيران رغم التدخل في "GPS". أما بعض طائرات الشركات الخاصة فأقل متانة.

وينتقل الصداع نفسه إلى غرف قيادة السفن. قال ويستكوت: "على مدى أجيال، صار العالم يعتمد على (GPS)  بوصفه الشكل الأساسي للملاحة. والآن، تضطر الطواقم إلى التكيف مع واقع جديد. في الآونة الأخيرة، اتصل بنا طاقم للحصول على مشورة لأنه لم يكن معتادا الإبحار من دون (GPS)".  وقبل سنوات، عادت بعض القوات البحرية إلى تدريب بحارتها على الملاحة الفلكية، وهي مهارة عصية تماما على التدخل، وأتاحت للبحارة على مدى قرون أن يدوروا حول العالم. لكن ليس كل البحارة التجاريين تلقوا هذا التدريب.

(رويترز)
موظف في مركز "يوروكنترول" لمراقبة الملاحة الجوية الأوروبية بجوار خريطة لحركة الطيران في بروكسل، 16 أبريل 2010

ولا تقتصر المشكلة على الطواقم في الجو والبحر. فموظفو الأرض لا يستطيعون التأكد تماما من مواقع طائراتهم وسفنهم. إضافة إلى ذلك، أشار ويستكوت إلى أن "إشارات الوقت التي توثق موقع السفن والطائرات في أي لحظة ترتبط بنظام (GPS)". وهذا يعني أن تشوه إشارات "GPS" قد يجعل الطوابع الزمنية غير دقيقة، ما يخلق تعقيدات أمام مجموعة من القطاعات، مثل شركات التأمين، التي تعتمد اعتمادا كبيرا على هذه المعلومات.

عادت بعض القوات البحرية إلى تدريب بحارتها على الملاحة الفلكية التي أتاحت للبحارة على مدى قرون أن يدوروا حول العالم

وفوق ذلك، يدرك الجميع بوضوح أن التشويش والخداع قد يتسببان في حادث خطير. ومن خلال هذا النشاط المستمر، تعرض جهات التشويش والخداع عددا لا يحصى من المدنيين للخطر عمدا. وبالفعل، يعتقد أن التدخل في "GPS" تسبب في جنوح سفينة الحاويات أنطونيا قبالة ميناء جدة السعودي في مايو/أيار 2025، وسفينة البضائع السائبة ميغنا برينسيس في خليج فنلندا قبل ذلك ببضعة أشهر.

والآن، تحاول الحكومات تقديم المساعدة. ففي مارس/آذار، أصدر الاتحاد الأوروبي خطة عمل ستوفر تعليمات لكيفية تصرف الطواقم ومراقبي الحركة الجوية أثناء اضطرابات "GPS". وأنشأت النرويج ثلاث محطات لرصد الاضطرابات، وتخطط لإضافة محطتين أخريين. كما أطلقت "DNK"، وهي شركة تأمين بحري عالمية مقرها أوسلو، مبادرة رائدة تقدم لأعضائها إشارات أقمار صناعية من مدار أخفض، وهي أصعب كثيرا على التعطيل من الإشارات العادية.

(أ.ف.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي خلال مؤتمر للتخطيط العسكري بشأن مضيق هرمز في مقر القيادة المشتركة بنورثوود شمال غربي لندن، 23 أبريل 2026

من الجيد أن العالم يستطيع الاستفادة من المهارات التي أتقنها كريستوفر كولومبوس وفاسكو دا غاما وفرديناند ماجلان، إلى جانب حلول جديدة مثل الملاحة عبر المدار المنخفض. لكن في وسع الجمهور العالمي أن يساعد أيضا، من خلال تسمية الدول المسؤولة ومساءلتها علنا عن هذا الخداع والتشويش غير المسؤولين على الإطلاق.

font change

مقالات ذات صلة