مجتبى خامنئي... هل هو واجهة أم صاحب القرار الحقيقي؟

تعيين مجتبى خامنئي يشير إلى أن "الحرس الثوري" بات الطرف الأقوى

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
صورة وزعها مكتب "المرشد" الإيراني في 30 أكتوبر 2024 تظهر مجتبى خامنئي، نجل الزعيم الإيراني الراحل علي خامنئي

مجتبى خامنئي... هل هو واجهة أم صاحب القرار الحقيقي؟

على امتداد أسبوع، استمرت إيران بالعمل بسلاسة لافتة رغم القصف الأميركي والإسرائيلي. وسارت الاستعدادات التي كان "المرشد الأعلى" آية الله علي خامنئي قد أمر بها قبل اغتياله في 28 فبراير/شباط كما رُسم لها. وأسفرت الموجة الأولى من الغارات الجوية عن مقتل عدد من القادة الإيرانيين أقل مما أفادت به التقارير الأولية. ونجا معظم نواب القادة وكبار أركان النظام، ومن بينهم الرئيس مسعود بزشكيان، وعلي لاريجاني، أمين مجلس الأمن القومي.

وفي وقت مبكر من 9 مارس/آذار، صدرت من داخل إيران أقوى إشارة حتى الآن إلى أن النظام ما زال متماسكا، مع الإعلان عن اختيار مجتبى خامنئي، نجل علي خامنئي، زعيما أعلى جديدا للبلاد. وعلى خلاف والده، الذي كانت له الكلمة الفصل، يُرجح أن يُنظر إلى مجتبى بوصفه واجهة أكثر من كونه صاحب القرار الحقيقي. وتكشف هذه الخلافة أن "الحرس الثوري الإسلامي"، حارس "الجمهورية الإسلامية"، بات صاحب النفوذ الأوسع في البلاد.

ويبدد ذلك آمال الإصلاحيين الذين ربما راهنوا على صعود شخصية من صفوفهم. ويبعث أيضا على خيبة لدى كثير من رجال الدين. وسيتسبب توريث المنصب في نظام يزعم أنه ثيوقراطي بسخط واسع بين من لا يزالون يؤمنون بمبادئ ثورة أطاحت بملكية وراثية.

وربما يفسر مثل هذا التباين سبب تأخر "مجلس خبراء القيادة" في اختيار مجتبى. وزادت المهمة تعقيدا لأن اللجنة، التي تضم 88 رجل دين من كبار المراجع، واجهت صعوبة في الاجتماع بعد أن دمرت غارات إسرائيلية مقرها في مدينة قم الدينية. وعلى الأرجح سيبقى مجتبى متواريا في منشآت تحت الأرض اتقاء لخطر الاغتيال، وهو المصير الذي توعدت إسرائيل به كل من سيخلف خامنئي. ولم يظهر مجتبى إلى العلن منذ الضربات الأولى قبل أكثر من أسبوع، فيما تواترت أنباء عن مقتل أفراد من دائرته العائلية المقربة، مما أثار تكهنات بشأن وضعه الصحي.

(رويترز)
صورة للزعيم الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي معروضة على شاشة في طهران، 9 مارس 2026

يبلغ مجتبى 56 عاما، وآثر العزلة دائما. ومع أنه تولى إدارة "بيت القيادة"، ذلك الجهاز الذي ضم أربعة آلاف رجل وأدار تشديد قبضة والده على الدولة، فإن ظهور صور له كان أمرا نادرا. ووصفه إيرانيون التقوه بأنه متواضع وخجول، رغم أنه كان يدير إمبراطورية اقتصادية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات. وكان يقصد حوزته بسيارة "بيكان" قديمة متهالكة، وهي النسخة الإيرانية من "هيلمان هنتر".

على خلاف والده علي خامنئي، الذي كانت له الكلمة الفصل، يرجح أن ينظر إلى مجتبى بوصفه واجهة أكثر من كونه صاحب القرار الحقيقي

ويرى الإصلاحيون في مجتبى شخصية قمعية. ويُعد حسين طائب، رجل الدين الذي تولى سابقا قيادة الذراع الاستخبارية النافذة في "الحرس الثوري الإسلامي"، من أقرب حلفائه السياسيين. وتعاون الرجلان في ملاحقة الإصلاحيين، ويُقال إنهما أسهما في التلاعب بنتائج انتخابات عام 2009 التي جاءت برئيس متشدد. كذلك اضطلعا بدور في دفع إيران من نظام ديني هجين ذي هامش ديمقراطي محدود إلى دولة أمنية سحقت المعارضة.

ولدى رجال الدين أسباب وجيهة للاعتراض. فمجتبى يفتقر إلى المؤهلات الدينية والسياسية التي ينص عليها الدستور فيمن يتولى منصب الزعيم الأعلى. ولم يشغل أي منصب رسمي من قبل، كما لم يصدر الرسالة الفقهية التي تكرس المجتهد مرجعا معترفا به في السلطة الدينية، فضلا عن أنه لم يبلغ رتبة آية الله العظمى.

وتقف البلاد التي آلت إليه على حافة دقيقة بين الصمود والانهيار. فقد فاجأت الترسانة الصاروخية الإيرانية، بعمقها وكثافتها ودقتها، مسؤولين في واشنطن وتل أبيب. أما دول الخليج فأحجمت حتى الآن عن الانضمام إلى الهجوم، خشية التعرض لرد إيراني، رغم ما طالها من هجمات متكررة.

بدلا من ذلك، يتحدث متابعون للشأن الإيراني عن تماسك متجدد للنظام وعزم جديد، بعدما خفتا في السنوات الأخيرة من حكم خامنئي الأب. إذ تكاد أخبار الانشقاقات تغيب. ويتولى جنرالات "الحرس الثوري" إدارة الحرب من دون رقابة مدنية، فيما يبدو أن العسكريين يحلون محل رجال الدين الذين يفترض الدستور أن يتولوا شؤون البلاد. وحذر رجل أعمال إيراني في المنفى قائلا: "أطلق موت خامنئي أيديهم. صاروا أكثر تشددا، وأكثر نزعة قومية، وأكثر جرأة".

وتؤكد هذا التقدير تقييمات خارجية، منها تقرير استخباري خليجي صدر في 5 مارس/آذار وأفاد بأن "شرائح واسعة من القيادة العسكرية الإيرانية ما زالت تواصل عملها، خلافا لما ذهبت إليه التقديرات الاستخبارية الأولية". كما خلص تقرير استخباري أميركي أعد قبيل اندلاع الحرب إلى أن الهجوم على إيران لن يطيح بالنظام على الأرجح.

(رويترز)
مجتبى خامنئي، النجل الثاني للزعيم الإيراني علي خامنئي، يزور مكتب "حزب الله" في طهران، إيران، 1 أكتوبر 2024

غير أن تحمل إيران يواجه، بعد تسعة أيام من القتال، اختبارا بالغ القسوة. إذ انتقلت القوات الغربية من المرحلة الأولى، مرحلة استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل للقدرات العسكرية الإيرانية، إلى المرحلة الثانية، مرحلة استهداف مؤسسات الحكم والبنية التحتية الحيوية. وخلفت الضربة التي استهدفت مكتب "المرشد الأعلى" بالإضافة إلى مخبئه الذي تبلغ مساحته 5000 متر مربع (أو 54000 قدم مربع) في وسط طهران، فراغا في قلب منظومة الحكم.

لدى رجال الدين أسباب وجيهة للاعتراض. فمجتبى يفتقر إلى المؤهلات الدينية والسياسية التي ينص عليها الدستور فيمن يتولى منصب الزعيم الأعلى

وباتت الخدمات الأساسية مهددة بدورها. ومع أن المواد الغذائية ما زالت متوافرة في العاصمة حتى الآن، بحسب ما يقول بعض الإيرانيين، وأن عمال النظافة يواصلون كنس الشوارع عند الفجر رغم دوي الانفجارات من حولهم، فإن كثيرين باتوا يرون أن طهران غدت أشبه بغزة بعد الهجوم الإسرائيلي. فقد أضاءت الضربة التي استهدفت منشآت النفط في 8 مارس/آذار السماء ليلا، ثم أغرقت أحياء واسعة من المدينة في الظلام مع بزوغ النهار. وجرت قنوات الصرف القديمة كأنها أنهار من نار، بعدما تدفق فيها النفط المشتعل وأضرمت الحرائق في المتاجر والمنازل. ثم هطل مطر أسود لزج.

ويتعرض الاقتصاد لضغوط متزايدة. فقد عطل تدمير الموانئ وإغلاق المعابر الحدودية الواردات، فيما أوقفت الهجمات على المصانع جانبا كبيرا من الإنتاج المحلي. ويخشى بعض المسؤولين أن تنفد مخزونات الغذاء قبل عيد الفطر، وقبل نوروز، رأس السنة الفارسية، في 20 مارس/آذار.

وتتعرض البنية التحتية بدورها لضغط بالغ. إذ تهدد ضربة استهدفت محطة لتحلية المياه في الجنوب إمدادات المياه، التي كانت مثقلة أصلا قبل الحرب. ويجري تقنين الوقود. وإذا امتد القصف إلى حقول النفط والغاز، أو إلى منشأة جزيرة خرج، المحطة الرئيسة الوحيدة في البلاد، فقد تتعرض إمدادات الغاز اللازمة لتوليد الكهرباء والطهو للانقطاع.

ويحل الخوف من تدمير الدولة نفسها محل الازدراء الواسع الذي كان كثير من الإيرانيين يضمرونه لحكامهم، ولا سيما بعد مقتل آلاف المحتجين في يناير/كانون الثاني. لكن موجة المشاعر الوطنية، في غياب وسائل المقاومة، لا تكفي وحدها للدفاع عن الدولة.

(أ.ف.ب)
لافتة تحمل صورة الزعيم الإيراني الراحل علي خامنئي تعلو قبور أشخاص قُتلوا في الغارات بمقبرة بهشت زهرا جنوب طهران، 9 مارس 2026

وقد يجد مجتبى صعوبة في تثبيت سلطته بصفته الزعيم الأعلى. إذ حرص والده، في إطار الاستعداد للحرب، على تفويض السيطرة المركزية. ويقول متابعون للشأن الإيراني إن القادة المحليين تلقوا، قبل وفاته، قوائم بالأهداف مع توجيهات بمواصلة القتال إذا فُقد مركز القرار. وقال مسؤول كردي يراقب إيران من أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق: "سمعنا أنهم قسموا إيران إلى 31 وحدة، لكل منها قيادة تتمتع بسلطة كاملة لاتخاذ القرارات كلها من دون الرجوع إلى وزارة أو إلى قيادة مركزية". كما قسم النظام قوات "الباسيج"، وهي الميليشيات شبه العسكرية الضخمة التي يستخدمها في قمع المعارضة، إلى خلايا صغيرة من خمسة أفراد، ووزع مئات آلاف الأسلحة.

يخشى بعض المسؤولين أن تنفد مخزونات الغذاء قبل عيد الفطر، وقبل نوروز، رأس السنة الفارسية

وفوق ذلك، يواجه قادة أجنحة النظام المختلفة، الموزعون على ملاجئ يعتقد أنها تقع عميقا تحت جبال زاغروس في غرب إيران بعيدا من طهران، صعوبة في تنسيق خطابهم. فبعد نحو نصف ساعة من اعتذار السيد بزشكيان عن ضربات صاروخية طالت دولا مجاورة، أطلق "الحرس الثوري" دفعة جديدة من المسيرات نحو دول عربية في الخليج.

ويحمل هذا التفكيك اللامركزي في طياته مخاطر كبيرة. فقد يتحول قادة يديرون أصلا شبكات تهريب متنافسة إلى "أمراء حرب". كما قد يدفع ضعف الدولة جيران إيران إلى اقتطاع بعض أجزائها الضعيفة تدريجيا.

إذ تطالب دولة الإمارات منذ زمن بثلاث جزر صغيرة لكنها ذات أهمية استراتيجية قرب مضيق هرمز. وقد تتدخل تركيا بذريعة حماية الأذريين الناطقين بالتركية في إيران، كما فعلت لحماية عدد أقل بكثير من التركمان في العراق وسوريا. وقد تنطلق جماعات مقاتلة من تنظيم "داعش خراسان"، وهو فرع من تنظيم "داعش" الذي أقام يوما "خلافة" في العراق وسوريا، من قواعدها في أفغانستان. والأخطر من ذلك كله أن يعبر مقاتلون كرد من كردستان العراق الحدود للسيطرة على بلدات كردية.

(أ.ف.ب)
"مجلس خبراء القيادة" الإيراني يعقد جلسة في العاصمة طهران، 13 مارس 2018

أما إسرائيل، فتبدو مستعدة للمخاطرة بالفوضى وانهيار الدولة في سبيل شل القوة العسكرية الإيرانية. في المقابل، لا يزال الهدف الأميركي أقل وضوحا. وقد يكتشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن دفع إيران إلى مصير الدولة الفاشلة، كما جرى في العراق، سيترك الشرق الأوسط يرزح سنوات تحت وطأة الاضطراب، ويقوض الاستقرار والنفوذ الأميركي في المنطقة. ويأتي هذا التعيين الجديد ضربة لآماله في أن يفضي المشهد سريعا إلى بروز رجل قوي أو مجلس عسكري قادر على إبرام اتفاق نووي يضمن السيطرة على 400 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب. ولهذا يدعو بعض رموز المعارضة في المنفى ترمب إلى وقف الحرب الآن، ما دام في إيران قدر من المركزية، وإن بدا واهيا.

النظام يعيش تفكيكا لامركزيا يحمل في طياته مخاطر كبيرة، أهمها تحول قادة يديرون شبكات تهريب متنافسة إلى أمراء حرب

وتجد إيران وزعيمها الأعلى الجديد وإخوته في "الحرس الثوري" أنفسهم أمام قرارات مصيرية. هل يواصلون القتال أم يسعون إلى إنهاء الحرب سريعا؟ وهل يساومون على البرنامج النووي في مقابل رفع العقوبات أم يمضون في طريق يشبه طريق كوريا الشمالية النووية؟ ثم كيف يرسمون أفقا لشعب إيراني أنهكه البؤس؟

(أسوشييتد برس)
مجتبى خامنئي يشارك في "مسيرة يوم القدس" في طهران، إيران، 31 مايو 2019

قبل الحرب، راهن البعض على أن يصبح مجتبى نسخة إيرانية تنعتق من سطوة رجال الدين وتخفف حدة المواجهة مع إسرائيل. لكن مقتل أفراد من عائلته يرجح أن يقضي على مثل هذه التوقعات. والأرجح أن يطبع حكمه الارتياب وروح الانتقام. وبحسب أحد أقربائه سيكون مجتبي "بالغ التشدد". وإذا صح ذلك، فقد يميل إلى الإبقاء على عداء والده لإسرائيل وأميركا، وإلى مقاومة الإصلاح الداخلي، وترسيخ قبضة "الحرس الثوري". لكن عليه أولا أن ينجو.

font change

مقالات ذات صلة