قد تكون واشنطن وطهران أقرب إلى مواجهة عسكرية من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة، غير أنهما لا تقفان على أعتاب حرب تقليدية. فالسيناريو الأرجح في المرحلة الراهنة لا يتمثل في غزو أميركي لإيران أو اندلاع حرب إقليمية شاملة، بل في ضربة محدودة ومحسوبة بدقة، تستهدف إعادة صياغة معادلات التفاوض لا حسمها.
خلال الأسابيع الأخيرة، بدا التناقض واضحا، الولايات المتحدة تعزز انتشارها العسكري في الشرق الأوسط بصورة لافتة، والمسؤولون الإيرانيون يكررون رفضهم الرضوخ للضغط. ومع ذلك، يواصل الطرفان التحدث عن التفاوض، وأحيانا في التوقيت ذاته. لا يعكس هذا التعارض حال ارتباك، بل يجسد منطقا معروفا في السياسة الدولية يقوم على توظيف الحرب، أو التلويح بها، كأداة تفاوض.
في إطار نموذج المساومة في الحروب، لا تقتصر القوة العسكرية على إلحاق الهزيمة بالخصم، وإنما تسعى إلى تعديل تصورات الكلفة ومستوى الصلابة ونوايا المستقبل، حين تعجز الدبلوماسية وحدها عن إنتاج التزامات موثوقة. وهكذا فإن ما يجري اليوم لا يشير إلى انهيار المسار الدبلوماسي، وإنما إلى عسكرته.

تتزامن هذه الدينامية مع مفاوضات هادئة تدور في سلطنة عمان، حيث يختبر مفاوضون إيرانيون وأميركيون الخطوط الحمراء للطرف الآخر ومدى استعداده لتقديم تنازلات. لا تتناقض هذه المحادثات مع التصعيد القائم، بل تندرج ضمن منطقه. ففي حسابات المساومة، تسير الدبلوماسية والضغط العسكري جنبا إلى جنب، بدل التعاقب.




